مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

ذكر الله

كتبت: زينب إبراهيم 

 

الذِّكر مفهومه شامل، وله معنيين:

 

أ) معنًى عام: ويشمل كل أنواع العبادات من صلاة، وصـيام، وحج، وقراءة قرآن، وثناء، ودعاء، وتسبيح، وتحميد، وتمجيد، وغير ذلك من أنواع الطاعات؛ لأنها إنما تقام لذكر الله تعالى، وطاعته، وعبادته.

 

قال شـيخ الإسلام رحمه الله: «كل ما تكلَّم به اللسان، وتصوّره القلب مما يقرِّب إلى الله من تعلّم علم، وتعليمه، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، فهو من ذكر الله»[1].

 

 

ب) معنًى خاص: وهو ذكر الله – عزَّ وجل – بالألفاظ التي وردت عن الله من تلاوة كتابه، أو الألفاظ التي وردت على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وفيها تمجيد، وتنزيه، وتقديس، وتوحيد لله، والمقصود في هذه السُّنَّة هو: المعنى الخاص.

 

وأعظمه: تلاوة كتاب الله تعالى، فالتعبد بتلاوته أسهر عيون السلف، وأقض مضاجعهم ﴿ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 18].

اقرأ: قلادة باتيالاhttps://everestmagazines.com/%d9%82%d9%84%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%a8%d8%a7%d8%aa%d9%8a%d8%a7%d9%84%d8%a7/

فجمعوا في ليلهم تلاوة كتاب الله تعالى، وسائر الأذكار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فللّه درُّه من ليل طاب بإحياء أهله له، ويا لخسارتنا وتهاوننا، وتفريطنا، بليالينا، وأسحارنا! وعسـى أن تسلَم من عصـيان إلهنا، إلَّا ما رحم ربنا تعالى.

الذِّكر فيه حياة للقلوب:

 

كثير منَّا لاسـيما في هذه الأزمان، وكثرة الانشغال يشكو صدأ قلبه وغفلته، وحياة القلب تكون بالذِّكر، ففي صحيح البخاري من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ»، وفي لفظ مسلم قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللّهُ فِيهِ، وَالْبَيْتِ الَّذِي لاَ يُذْكَرُ اللّهُ فِيهِ، مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ»[7].

 

 

 

قال ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين في فصل (منزلة الذكر): «ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة: الذِّكر، وهي منزلة القوم الكبرى، التي منها يتزودون، وفيها يتجرون، وإليها دائمًا يترددون، والذِّكر منشور الولاية، الذي من أعطيه اتصل، ومن منعه عزل، وهو قوت قلوب القوم،الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورًا، وعمارة ديارهم التي إذا تعطلت عنه صارت بورًا…، وهو جلاء القلوب وصقالها ودواؤها إذا غشـيها اعتلالها، وكلَّما ازداد الذاكر في ذكره استغراقًا ازداد المذكور محبةً إلى لقائه واشتياقًا…، وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده، ما لم يغلقه العبد بغفلته» أ.هـ[8].

 

 

 

وذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه الوابل الصـيب، أكثر من مائة فائدة للذِّكر، يحسن الرجوع إليها، ففيها ما يستنهض الهِمَم للمحافظة على هذه العبادة العظيمة، وعرض فيها نماذج من الذاكرين لاسـيما شـيخه شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله[9].

 

 

 

حث الله – عز وجلَّ – على ذِكْره في مواضع عديدة، منها:

 

1) حث اللهُ -عز وجلّ- عباده؛ لأن يكثروا من الذِّكر، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: 41، 42]

 

 

 

2) ووعد الله تعالى الذاكرين والذاكرات، بالمغفرة، وعظيم الأجر والثواب، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 35].

 

 

 

3) وحذرنا الله -عز وجلَّ- من صفات المنافقين، التي منها قلة ذكر الله تعالى والله المستعان، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 142].

 

 

 

4) وحذرنا الله عز وجلَّ من الانشغال بالأموال، والأولاد عن ذكره جل وعلا، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المنافقون: 9].

 

 

 

5) وتأمَّل معي هذا الفضل العظيم، والشرف الرفيع، قال الله تعالى: (ﯩ ﯪ)، وقال في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ»[10].

 

 

 

6) وامتدح الله تعالى أولوا العقول من المؤمنين بأنهم يذكرونه على كل حال، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 190، 191].

 

 

 

وفي سنته صلى الله عليه وسلم -الذي كان خلقه القرآن- ما يُفسـر لنا من فعله هذه الآية، فكان الذِّكر ملازماً له على كل أوقاته، وأحواله، تقول عائشة رضي الله عنها كما في صحيح مسلم: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ»[11].

 

 

 

ولك أن تتصوَّر – أخي المسلم – كل أحيانه، وكيف هي كل أو بعض أحياننا، ولا أقول بمماثلتها ولكن بمقاربتها لأحيان النَّبيّ صلى الله عليه وسلم؟.

فوائد ذكر الله وهي:-

كسب الأجر والثواب الجزيل.

2- رضاء المولى عز وجل.

3- محبة الله عز وجل للعبد.

4- محبة العبد لخالقه سبحانه وتعالى.

5- مغفرة الذنوب والسيئات.

6- سعادة النفس وتذوق حلاوة الذكر ولذّته.

7- حياة للقلب وطمأنينة.

8- انشراح الصدر.

9- الثبات عند مواجهة الأعداء.

10- النصر على الأعداء.

11- الحفظ من كل سوء.

12- رفعة المنزلة في الدنيا والآخرة.

13- نور في الوجه.

14- قوة في الجسم.

15- البراءة من النفاق.

16- كسوة الذاكر المهابة.

17- النجاة من عذاب القبر.

18- جلب النعم ودفع النقم.

19- مضاعفة الحسنات.

20- زوال الهم والغم.

21- جلب الرزق.

22- نزول الرحمة والسكينة.

 

 

[لا إله إلا الله أفضل الذكر والدعاء]

 

إن أفضل الذكر على الإطلاق، وأفضل ما ينطق به الإنسان من الأذكار هو أن يقول: لا إله إلا الله، وبقول هذه الكلمة تحقن الدماء، ويعصم المال، ويصبح الإنسان من أهل السعادة بإذن الله.

 

إن لا إله إلا الله هي أفضل ما يذكر الله تبارك وتعالى به، كما قال عليه الصلاة والسلام: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله).

 

لقد فزع إليها الولي لما جاءته المحنة، وكذلك العدو لما جاءته المحنة فزع إليها.

فضل الذكر

عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله : { ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم } قالوا: بلى يا رسول الله. قال: { ذكر الله عز وجل } [رواه أحمد].

 

وفي صحيح البخاري عن أبي موسى، عن النبي قال: { مثل الذي يذكر ربه، والذي لايذكر ربه مثل الحي والميت }.

 

وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : { يقول الله تبارك وتعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة }.

 

وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب:41]، وقال تعا لى: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب:35]، أي: كثيراً. ففيه الأ مر با لذكر بالكثرة والشدة لشدة حاجة العبد إليه، وعدم استغنائه عنه طرفة عين.

 

وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: ( لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله عز وجل ).

 

ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء. فإذا ترك الذكر صدئ، فإذا ذكره جلاه.

 

و صدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر.

 

قال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُط [الكهف:28].

 

فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر: هل هو من أهل الذكر، أو من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟ فإن كان الحاكم عليه هو الهوى وهو من أهل الغفلة، وأمره فرط، لم يقتد به، ولم يتبعه فإنه يقوده إلى الهلاك.

أنواع الذكر

الذكر نوعان:

 

أحدهما: ذكر أسماء الرب تبارك وتعالى وصفاته، والثناء عليه بهما، وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به تبارك وتعالى، وهذا

 

أيضاً نوعان:

 

أحدهما: إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر، فأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمه، نحو ( سبحان الله عدد خلقه ).

 

النوع الثاني: الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته، نحو قولك: الله عز وجل يسمع أصوات عباده.

 

وأفضل هذا النوع: الثناء عليه بما أثنى به على نفسه، وبما أثنى به عليه رسول الله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل. وهذا النوع أيضاً ثلاثة أنواع:

 

1 – حمد.2 – وثناء.3 – و مجد.

 

فالحمد لله الإخبار عنه بصفات كماله سبحانه وتعالى مع محبته والرضا به، فإن كرر المحامد شيئاً بعد شيء كانت ثناء، فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والملك كان مجداً.

 

وقد جمع الله تعالى لعبده الأنواع الثلاثة في أول الفاتحة، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله: { حمدني عبدي }، وإذا قال: الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ قال: { أثنى عليّ عبدي }، وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال: { مجّدني عبدي } [رواه مسلم].

 

النوع الثاني من الذكر: ذكر أمره ونهيه وأحكامه: وهو أيضاً نوعان:

 

أحدهما: ذكره بذلك إخباراً عنه بأنه أمر بكذا، ونهيه عن كذا.

 

الثاني: ذكره عند أمره فيبادر إليه، وعند نهيه فيهرب منه، فإذا اجتمعت هذه الأنواع للذاكر فذكره أفضل الذكر وأجله وأعظمه فائدة.

 

فهذا الذكر من الفقه الأكبر، وما دونه أفضل الذكر إذا صحت فيه النية.

 

و من ذكره سبحانه وتعالى: ذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وأياديه، ومواقع فضله على عبيده، وهذا أيضاً من أجل أنواع الذكر.

 

فهذه خمسة أنواع، وهي تكون بالقلب واللسان تارة، وذلك أفضل الذكر. وبالقلب وحده تارة، وهي الدرجة الثانية، وباللسان وحده تارة، وهي الدرجة الثالثة.

 

فأفضل الذكر: ما تواطأ عليه القلب واللسان، وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده، لأن ذكر القلب يثمر المعرفة بالله، ويهيج المحبة، ويثير الحياء، ويبعث على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، ويزع عن التقصير في الطاعات، والتهاون في المعاصي والسيئات، وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئاً من هذه الآثار، وإن أثمر شيئاً منها فثمرة ضعيفة.

 

الذكر أفضل من الدعاء

الذكرأفضل من الدعاء، لأن الذكر ثناء على الله عز وجل بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه، والدعاء سؤال العبد حاجته، فأين هذا من هذا؟

 

ولهذا جاء في في الحديث: { من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين }.

 

ولهذا كان المستحب في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله تعالى، والثناء عليه بين يدي حاجته، ثم يسأل حاجته، وقد أخبر النبي أن الدعاء يستجاب إذا تقدمه الثناء والذكر، وهذه فائدة أخرى من فوائد الذكر والثناء، أنه يجعل الدعاء مستجابًا.

المصادر:-

1/ فضائل ذكر المولى عزّ وجل

2/ تعريفه وعقوبة تاركه

3/ أحاديث من السنة النبوية

4/ آيات من القرآن الكريم.

بقلم الكاتبة/ زينب إبراهيم ” كاتبة مجهولة”