الكاتبة: مريم زهران
يبدأ الأمر دائمًا بمشاعر زائدة، وبنبرة صوتٍ تعرف كيف تلمس الأوجاع القديمة، وباهتمامٍ يبدو صادقًا كأنك أخيرًا وجدتَ من يسمعك دون أن يملّ.
يأتي المستغِل متقنًا دور المنقذ؛ يحمل بين يديه كل ما تفتقده، ويزرع فيك شعورًا أنك أخيرًا «تنتمي»… لكنك لا تدري أن هذا الانتماء هو أول خيط في شبكةٍ ناعمة، تُنسَج حولك ببطء حتى تفقد حريتك دون أن تشعر.
الاستغلال العاطفي لا يحدث دفعة واحدة، بل بالتدرّج، بخطواتٍ محسوبة. فمثلًا في البداية، يجعلك تثق، ثم يزرع فيك الشعور بالذنب كلما حاولت الابتعاد، كأنه يذكّرك دائمًا أنه «الوحيد الذي فهمك»، وأنك بدونه لن تكون بخير.
تبدأ بالتنازل — مرة عن كرامتك، ومرة عن وقتك، وأخيرًا عن نفسك — حتى تكتشف في النهاية أنك لم تعد تعرف من أنت أصلًا.
يحدث أن تخلط بين «الحب» و«الاعتياد»، بين «الحنين» و«الضعف»، فتظن أنك ما زلت متمسكًا بعلاقة لأنك تحب، بينما أنت في الحقيقة خائف… خائف من الوحدة، من الفقد، من إعادة الترميم من جديد.
وهنا يزدهر الاستغلال، لأن المستغِل يعرف جيدًا أي الأزرار يضغط، وأي الجروح يلمس ليبقيك في دائرته وتحت تأثيره.
الاستغلال العاطفي لا يحتاج إلى صراخ، ولا إلى عنفٍ ظاهر، هو هادئ كالماء، لكنه ينحتك من الداخل حتى لا يبقى منك سوى ظلٍّ مرهق.
يأتي على شكل عتابٍ متكرر وبشكل غير عقلاني، أو مطالبةٍ بالاهتمام به أكثر من اهتمامك بنفسك، فتخسر كل شيء ويبقى هو فقط، وتهتم به ولو كنت في مصيبةٍ كبرى، كأنه حقٌّ مقدس. أو على شكل غيرةٍ تُخفي وراءها رغبة في السيطرة وعزلك عن العالم تمامًا… وحتى عن نفسك أحيانًا.
يأتي حين يقنعك أحدهم أن حبك له يجب أن يُقاس بمقدار ما تتنازل، لا بمقدار ما تشعر بالأمان.
وأقسى ما في الاستغلال العاطفي أنه يجعل الضحية تُبرّر ألمها؛ تقول لنفسك: «يمكن أنا فعلًا غلطت»، «يمكن هو عنده حق»، «يمكن الحب كده».
لكن الحقيقة أن الحب لا يؤلم بهذه الطريقة، لا يُطفئك لتضيء غيرك، ولا يقتات على ضعفك ليبدو قويًّا.
“الحب الحقيقي يحرّرك، لا يقيّدك… يرمّمك، لا يكسرك.”
هناك من يستغل مشاعر غيره ليشعر بالقوة ويعوض ما ينقصه على حساب شخصٍ آخر أيًا كان أثر ذلك عليه، وهناك من يسمح له بذلك لأنه لم يتعلم بعد أن «الطيبة» لا تعني «الخضوع»، وأن تكون صادقًا لا يعني أن تترك نفسك فريسة، وأن تحب لا يعني أن تُمحى.
وفي لحظةٍ ما، يجب أن تتذكر أنك تستحق علاقة لا تجعلك تخاف من نفسك، ولا تجعلك تمشي على أطراف روحك كي لا تُغضب أحدًا.
الاستغلال العاطفي ليس حكرًا على علاقة حب؛ قد يحدث في صداقة، أو داخل الأسرة، أو حتى في عملٍ يطلب منك العطاء بلا مقابل.
لكنه دائمًا يترك ذات الأثر: خُواء داخلي، إحساسًا دائمًا بالذنب، وشعورًا أنك مهما فعلت لن تكون كافيًا.
ولذلك، فإن أول خطوة في النجاة ليست الانتقام، بل الوعي؛ أن تُدرك أنك لم تُخلق لتُستهلك، وأن من يحبك بحقٍّ لا يستخدم حبك سلاحًا ضدك.
أن تفهم متى يجب أن تتوقف، ومتى تقول «لا»، ومتى تعود إلى نفسك لتحتضنها قبل أن تبحث عمّن يحتضنك.
في النهاية، كل استغلالٍ عاطفيٍّ يبدأ من لحظة ساذجة صدّقنا فيها أن الحب وحده كافٍ، وأن الطيبة كافية لتغيير الجميع.
لكن الحياة تعلّمنا أن الحب ليس عذرًا للأذى، وأن الطيبة بلا وعي تتحول إلى ضعفٍ قاتل.
فاحمِ قلبك، لا لأن العالم قاسٍ فقط، بل لأن قلبك جميلٌ بما يكفي ليستحق من يصونه، لا من يستهلكه.
واعلم أن الانسحاب أحيانًا لا يعني الهروب أو الهزيمة، بل النجاة… وأن تركك لعلاقةٍ تُنهكك هو أصدق أشكال الحب… لنفسك هذه المرة.






المزيد
علامات خفية تقول إنك تحت ضغط نفسي
الأزمة بين المربع السكني وجودة التعليم
عيد العمال: هل أصبح لدينا عمال لنحتفل بهم؟