حين يلامس الغياب كتف الروح بقلم أمجد حسن الحاج
في مساءٍ يذوب ضوءه بين رماد الغيم ولون الشفق، جلستْ على المقعد الخشبي وحيدة، تحاول أن تُمسك بصمت العالم كي تهرب من ضجيج الأسئلة التي لا تجد من يجيب عنها. كان الأفق ممتلئًا بوهجٍ يخدع القلب، كأنه يعدها بفجرٍ قادم، لكنه في الحقيقة كان يرسم حدًّا جديدًا للفقد الذي تراكم فوق كتفيها كريحٍ لا تخضع لأي سكون.
لم تكن تنتظر أحدًا، ومع ذلك ظل قلبها يتصوّر خطواتٍ تعرفها منذ زمن. كانت تتذكّر همساتٍ هادئة، وضحكاتٍ قصيرة، ويدًا رحيمة كانت تمسح عنها خوف الأيام حين كانت الدنيا أضيق من أن تحتمل جرحًا واحدًا. تلك اليد غابت الآن، لكن أثرها بقي مثل علامةٍ خفية في الروح، لا تُمحى رغم تبدّل السنوات.
وبينما تحدّق في البعيد، شعرت بنسيمٍ لطيف يقترب منها، كأنه يحمل دفئًا مألوفًا لا يشبه رياح المساء. لم تلتفت، لكنها أحسّت بأن شيئًا شفافًا جاء من جهة القلب، شيء يشبه الذكرى حين تتحوّل إلى حضور، ويشبه الحنين حين يأخذ شكلًا يُرى ولا يُمسك. ظهر بجانبها طيفٌ مضيء، هادئ، كأنه منسوج من حبر السماء، يمدّ كفّه نحو كتفها بلمسةٍ لا تُثقِل الجسد لكنها تُربك المشاعر.
لم يتكلّم، ولم تنتظر منه كلامًا؛ فالحنين أبلغ من الكلمات. كان الطيف يجسّد ملاذًا مألوفًا، يرمّم في داخلها ما انكسر دون أن يطلب منها اعترافًا. شعرت بأن السكون بات أقل قسوة، وأن الوحدة تخفّفت قليلًا من حدّتها، وأن الظل الذي رافقها طوال الأيام الماضية وجد أخيرًا من يتقاسمه معها.
ومع انطفاء آخر خيطٍ من الشفق، أدركت أن الغياب لا ينتهي أبدًا حين يكون الحب أكبر من الفناء. أدركت أنّ الأرواح التي أحبّتنا بصدق لا تغادر، بل تتحرّك حولنا بطرقٍ لا نراها إلا حين يشتدّ الألم. أدركت أيضًا أنّ الذاكرة ليست سجنًا كما كانت تعتقد، بل وطنٌ صغير يعود إليه القلب كلما تعب من طرق الواقع.
ابتسمت بخجلٍ يخالطه وجع، ومرّ الطيف من خلفها مثل نسمةٍ من عالمٍ آخر، تاركًا في مكان اللمسة نورًا داخليًا لا ينطفئ. نهضت ببطء، تنفّست عمق الغروب، وشعرت لأول مرة منذ زمن أنّ الطريق أمامها لا يبدو معتمًا كما كان، وأنها قادرة على المتابعة حتى لو حملت معها أثر يدٍ رحلت، لكنها ما زالت تهديها القوّة في اللحظات التي تظنّ فيها أن الحياة تتركها وحدها.
مضت بخطواتٍ ثابتة، تحمل معها يقينًا واحدًا:
هناك غيابٌ يبقى، وهناك حضورٌ لا يتركنا مهما طال المسار.






المزيد
كبرت بسرعة بقلم سها مراد
ركن على الحافه بقلم الكاتبه فاطمة هلال
حين تدار الأرواح بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر