مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين يصبح الجميع سائقين… فمن يبني الوطن؟

بقلم: يحيى القطب (كاتب وباحث)

فيديوٌ مرعب وكواليس النصيحة المالية

مرّ بي مقطع مصوّر لصانع محتوى يعلن بحماس عن سلسلة جديدة بعنوان: “كيف تحقق خمسة عشر ألف جنيه شهرياً؟”. شدّني العنوان، وظننت للوهلة الأولى أنه سيتحدث عن تعلّم مهنة، أو إتقان حرفة، أو اكتساب مهارة يحتاج إليها سوق العمل الفعلي.

لكنني فوجئت بأن الرسالة كلها تدور حول اتجاه واحد؛ اترك ما بين يديك، وابحث عن مصدر دخل سريع في قيادة سيارات الأجرة أو وسائل النقل المختلفة عبر التطبيقات الذكية.

أغلقت الفيديو، لا لأن العمل في هذه المهن معيب ــ فكل عملٍ شريف يُطلب به الرزق هو محل احترام وفخر ــ وإنما لأنني شعرت أن الرسالة أخطر من أن تُختزل في مجرد نصيحة مالية عابرة. فحين يصبح الحل الجماعي الذي نقدمه لكل شاب هو أن يترك طريق التعلّم والإتقان الطويل، فإننا لا نساعده وحده، بل نعيد تشكيل هوية المجتمع كله بطريقة قد ندفع ثمنها باهظاً بعد سنوات.

الصبي الذي اختفى: انقطاع التواتر الحرفي

كانت كل حرفة في الماضي تبدأ بصبي صغير؛ صبي نجار، وصبي سباك، وصبي ميكانيكي، وصبي نقاش. يقضي سنوات عمره الأولى يتعلّم، يخطئ فيُصوَّب له الخطأ، ويجتهد حتى يصبح “أسطى”، ثم “معلماً” يشار إليه بالبنان، ثم يخرج من تحت يديه جيل جديد يحمل أسرار المهنة من بعده.

هكذا استمرت الحِرَف عشرات السنين، لا بالمعاهد النظامية ولا بالشهادات الأكاديمية، وإنما بالتعلّم اليومي بالمحاكاة، ونقل الخبرة الحية من يدٍ إلى يد.

الأزمة الراهنة: اليوم، اختفى هذا الصبي تماماً من المشهد! ولم يختفِ لأنه لم يعد موجوداً ديموغرافياً، بل لأنه وجد طريقاً أسهل يدر عليه دخلاً يومياً فورياً دون أن يضطر لانتظار سنوات طوال حتى يتقن أصول مهنة ما.

التوك توك… المنافس الشرس الذي لم ننتبه إليه

الخطر الحقيقي في رأيي لا يتمثل في سيارات الأجرة أو تطبيقات النقل الذكي المقننة فقط، بل في “التوك توك” والدرجات النارية لخدمات التوصيل، والتي اجتذبت آلاف الصبية في السن الحرجة التي كان ينبغي أن يقضوها داخل الورش ومراكز التأهيل.

ذلك الطفل الذي كان سيحمل عُدّة السباك، أو يناول النجار أدواته، أو يتعلّم فك المحركات وتركيبها، أصبح يقضي يومه خلف مقود “توك توك”، يجني مالاً سريعاً وسهلاً، فيظن واهماً أنه ربح المعركة مبكراً.

ولكن، لنطرح السؤال الأخطر الآن: ما هي القيمة المضافة وخبرة هذا الصبي بعد عشر سنوات من الآن؟

 هل اكتسب حرفة إنتاجية؟

 هل تعلّم صنعة تحميه من غدر الزمن؟

 هل أصبح كادراً قادراً على أن يعلّم غيره؟

إنه يربح في يومه الحالي، لكنه يخسر مستقبله المهني كاملاً، ويخسر المجتمع معه ذراعاً إنتاجية طائلة.

الثمن الاقتصادي والمجتمعي الذي بدأنا ندفعه

هذه قاعدة أزلية لا تتغير أبداً: إذا اختفى الصبي، فمن أين سيأتي الأسطى؟ وإذا ترك آلاف الصبية الورش، فمن سيحل محل الجيل الحالي من النجارين، والحدادين، والميكانيكية، والسباكين، والنقاشين؟

الحِرَف لا تموت لأن الأسواق زهدت فيها أو لم تعد بحاجة إليها، بل تموت حين تنقطع سلسلة انتقال الخبرة والتواتر بين الأجيال، وهذا للأسف ما يحدث عياناً بيانًا أمام أعيننا. وبدأت آثار هذه الظاهرة تطفو على السطح بالفعل:

1. ندرة المهارة: أصبح العثور على “صنايعي” متقن وعملي أصعب من ذي قبل.

2. تضخم الأجور: ارتفعت أجور الخدمات الحرفية بشكل مبالغ فيه نتاج قلة أصحاب الخبرة (آلية العرض والطلب).

3. تراجع الجودة: انخفاض جودة الإشغالات والتشطيبات لأن عدد المتقنين يتناقص عاماً بعد عام.

وإذا استمر الحال على هذا النحو، فلن تكون المشكلة المستقبليّة أن أجرة الفني قد ارتفعت، بل ستكون المعضلة أن “الفني الماهر” نفسه لم يعد له وجود. إن المجتمع الذي يستهلك أكثر مما يُنتج، ويهجر أبناؤه الحِرَف الإنتاجية إلى الأعمال الاستهلاكية السريعة، لا بد أن يواجه كساداً هيكلياً عاجلاً أو آجلاً.

ما هي الرسالة البديلة التي يحتاجها الشباب؟

بدلاً من أن نلقّن أبناءنا وجيل الشباب أن النجاح الأوحد هو الوصول إلى أسرع دخل ممكن بأقل مجهود معرفي، علينا أن نرسخ في وعيهم أن النجاح الحقيقي هو امتلاك مهارة إنتاجية لا يستغني الناس عنها.

 كان الأولى بصنّاع المحتوى والموجهين أن يقولوا للشاب: “طوّر نفسك، وتعلّم، واصبر على مشقة البدايات حتى تصبح أسطى يُطلب بالاسم”.

 كان الأولى بنا كمنظومة مجتمعية وثقافية أن نصنع محتوى رقمياً يرفع من القيمة الاجتماعية للحِرَف، لا أن نوحي بوعي أو بدون وعي بأن الخلاص الفردي الوحيد يكمن في هجرها.

فالمجتمعات الحية والدول القوية لا تُبنى بالدخل السريع السائل وحده، وإنما تُبنى بالخبرة المتراكمة، والإتقان، وبراعة الصناعة، والعمل المستدام الذي يترك أثراً حقيقياً وملموساً بعد صاحبه.

خاتمة وتساؤل مصيري:

لا أحد يعيب على إنسانٍ سعى إلى رزقه الحلال أينما كان، ولا أحد يملك وصاية ليذم شاباً اختار ما يراه أصلح لحياته الآنية. لكن من حقنا الجمعي، بل من واجبنا الحقوقي والوطني أن نسأل: إلى أين نمضي إذا أصبحت الرسالة التي يسمعها كل صبي ناشئ هي: لا تتعلّم حرفة، وابحث عن أقرب وسيلة تحقق لك كسباً سريعاً؟

فإذا أصبح الجميع سائقين ومقدمي خدمات توصيل… فمن سيكون النجار؟ ومن سيكون الميكانيكي؟ ومن سيكون السباك؟ ومن سيعلّم أبناءنا هذه الحِرَف الأصيلة حين يرحل الجيل الذهبي الذي يحمل أسرارها اليوم؟

ذلك هو السؤال الاستراتيجي الذي أخشاه وأتحسب له أكثر من أي فيديو واجهي يعد الشباب بخمسة عشر ألف جنيه في الشهر.