بقلم: ليمار وليد
إذا سألتك يوماً: هل سمعت عن امرأة حكمت مدينة كاملة وقادت أسطولاً بحرياً ضخماً في القرن السادس عشر؟ فربما تكون إجابتك التلقائية هي: لا.
لكن إذا جئنا للحديث عن السيدة الحرة، فالأمر مختلف تماماً وعامر بالدهشة والمفاجآت.
من هي السيدة الحرة؟ (الجذور والنشأة)
هي حاكمة مدينة تطوان المغربية، وإحدى أشهر النساء القياديات في التاريخ الإسلامي. وُلدت عام 1493م تقريباً لأسرة أندلسية نبيلة (بنو راشد)، وعاشت طفولتها وشبابها في زمن مأساة سقوط غرناطة ــ آخر معاقل المسلمين في الأندلس ــ وهو حدث جلل ترك أثراً عميقاً ومحركاً في صياغة حياتها، وشخصيتها، وعدائها التاريخي للمستعمر.
صعود استثنائي لعرش السلطة
ولكن، بماذا اشتهرت هذه السيدة تحديداً؟
اشتهرت السيدة الحرة بكونها امرأة فذة استطاعت أن تصل إلى سدة الحكم في زمن كان ذلك فيه نادراً للغاية. فبعد وفاة زوجها القائد علي المنظري، لم تكن مجرد زوجة حاكم رحل، بل تولت بكل جدارة وحزم إدارة مدينة تطوان وأصبحت الحاكمة الفعلية والمطاعة لها.
ولم تكتفِ بالسياسة وإدارة شؤون المدينة الداخلية فقط.
بل لعبت دوراً محورياً في مقاومة التوسع الإسباني والبرتغالي الشرس على السواحل المغربية؛ حيث أسست وأشرفت على عمليات بحرية منظمة، وتحالفت مع كبار قادة البحر المتوسط (مثل القائد خير الدين بربروسا)، حتى غدت تُعرف في كتب التاريخ والوثائق الغربية بلقب “أميرة الجهاد البحري” أو “ملكة القراصنة” بمفهومهم المعاصر.
نفوذ يتجاوز حدود العسكرية
وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال جوهري: هل كان نفوذ السيدة الحرة عسكرياً وبحرياً فقط؟
الإجابة القاطعة هي: لا.
فقد امتلكت السيدة الحرة نفوذاً سياسياً ودبلوماسياً هائلاً هزّ أركان العروش المحيطة بها، ولعل الدليل الأبرز على مكانتها هو أن السلطان أحمد الوطاسي (سلطان المغرب آنذاك) خطب ودّها وتزوجها عام 1541م. ولم تذهب هي إلى عاصمته كالعادة المتبعة، بل توجه السلطان بنفسه وبحاشيته إلى تطوان لإتمام مراسم الزواج؛ اعترافاً بنفوذها واستقلاليتها، وهي حادثة اعتبرها المؤرخون أمراً استثنائياً وغير مسبوق في ذلك العصر.
الغروب الحزين لشمس الحكم
وماذا عن نهاية هذا الحكم الفريد؟
في عام 1542م، فقدت السيدة الحرة السلطة نتيجة مؤامرات وصراعات سياسية داخلية قادها بعض أقاربها، لكنها رغم خسارة الكرسي، بقيت شخصية حية وحاضرة بقوة في كتب التاريخ والذاكرة الجمعية العربية والأوروبية، لما قدمته من نموذج نادر ونبيل لامرأة جمعت بين العبقرية السياسية، والحنكة الدبلوماسية، والقوة العسكرية.
خاتمة وإضاءة:
في الختام، يمكن القول إن السيدة الحرة لم تكن مجرد حاكمة عابرة لمدينة مغربية إقليمية، بل كانت شخصية استثنائية عابرة للعصور، أثبتت عملياً أن الإرادة، والجسارة، والقدرة على القيادة الحكيمة لا ترتبط بجنس أو زمن أو ظروف معينة.
ولهذا، ما زال اسمها يُذكر حتى اليوم بفخر بوصفها واحدة من أبرز وأقوى النساء في تاريخ المغرب، وتاريخ البحر الأبيض المتوسط، والعالم الإسلامي أجمع.






المزيد
حين يصبح الجميع سائقين… فمن يبني الوطن؟
الحبل الأبيض: “خيوط الوهم”
كأس العالم مرآة للانقسام العربي