مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الدليفري… بين لقمة العيش وإيذاء الناس

بقلم: يحيى القطب (كاتب وباحث)

لقمة العيش لا يختلف عليها اثنان

ليس من الإنصاف أبداً أن نهاجم مهنة “الدليفري” أو من يعمل بها. فآلاف الشباب خرجوا يبحثون عن رزق حلال في زمن اشتدت فيه المعيشة وضاقت فيه الفرص؛ يواجهون حر الصيف الحارق، وبرد الشتاء القارس، والزحام المروري الخانق، وكل ذلك من أجل أن يعودوا إلى بيوتهم بما يكفي لإعالة أسرهم بكرامة.

لذلك، فحديثي هنا ليس عن المهنة في حد ذاتها، وإنما عن سلوكيات طارئة وهدامة التصقت بها مؤخراً، وأصبحت تتكرر في شوارعنا حتى أضرت بأصحابها قبل أن تضر عامة الناس.

“الطيارون” و”عرسان الجنة”: التهور خلف المقود

ظهرت في الشوارع فئة من سائقي الدليفري يقودون دراجاتهم بطريقة انتحارية جعلت الناس يطلقون عليهم لقب “الطيارين”، بل ويسميهم بعضهم ساخراً بمرارة “عرسان الجنة”؛ لأن من يراهم في الشارع يظن يقيناً أنهم لا يبالون بالموت.

ينطلق أحدهم بأقصى سرعة، ويتنقل بين السيارات من أضيق الفتحات، ويغير اتجاهه فجأة دون سابق إنذار، ويتجاوز من اليمين واليسار وكأنه في حلبة سباق مغلقة لا في طريق عام. لا يعطي لنفسه فرصة ليتدارك خطأ غيره، ولا يمنح غيره فرصة ليتوقع حركته المفاجئة.

وهنا نطرح السؤال الإيماني والمنطقي: هل كتب الله الرزق لمن يتهور أكثر؟ وهل السرعة الجنونية هي التي تأتي بالرزق، أم أن الرزق بيد الله وحده مقسوم مسبقاً؟

أول من يدفع الثمن: المأساة لا تقع فرادى

حين يقع الحادث ــ لا قدر الله ــ يظن البعض أن المتضرر هو سائق الدراجة وحده، لكن الحقيقة أن الخسارة دائرة واسعة تمتد لتلتهم الجميع:

 قد يصطدم بسيارة فيتلفها ويحمل صاحبها عبئاً مالياً.

 قد يدهس طفلاً بريئاً يعبر الطريق فيورث أهله فاجعة.

 قد يتسبب في سقوط رجل مسن، أو يجبر قائد سيارة على الانحراف المفاجئ فيصطدم بغيره.

وفي النهاية، يصبح حادث شخص واحد مأساة ممتدة لعدة أسر. أما السائق نفسه، فقد يفقد حياته، أو يصاب بعاهة مستديمة تمنعه من العمل كلياً، ليقضي بقية عمره يعاني بسبب لحظة تهور لم تستغرق سوى ثوانٍ معدودة. ومن المؤلم حقاً أن من خرج يبحث عن لقمة العيش، قد يعود إلى بيته محمولاً على الأعناق بدلاً من أن يعود حاملاً رزق عياله.

التلوث السمعي: ضوضاء لا مبرر لها

وإذا كان التهور يؤذي أمن الطريق، فإن الضوضاء المصطنعة تؤذي نفسية المجتمع كله. فمع الأسف، يتعمد كثير من أصحاب الدراجات العبث بعادم الدراجة (الشكمان)، فيزيلون أجزاء منه أو يستبدلونه لكي يخرج صوتاً متفجراً ومرتفعاً يلفت الأنظار.

يظن بعض الشباب أن هذا الصخب مظهر للهيبة، أو الرجولة، أو “الروشنة”، بينما هو في الحقيقة صورة فجة من صور الاعتداء على حرية الآخرين وسكينتهم.

فمجرد مرور دراجة واحدة من هذه الفئة قد:

1. يفزع طفلاً رضيعاً نائماً.

2. يوقظ مريضاً يتألم لم يذق طعم النوم منذ أيام.

3. يرعب رجلاً مسناً، أو يشتت طالباً يستعد لامتحان مصيري.

ما ذنب هؤلاء جميعاً في رغبة شاب مراهق أن يسمع الناس صوت دراجته الصاخبة؟

العجيب أن صاحب الدراجة لا يؤذي الناس وحدهم، بل يدمر صحته أولاً؛ فهو يقضي ساعات طوال يومياً بجوار هذا الضجيج حتى يتأثر سمعه تدريجياً، ويصبح أقل قدرة على تمييز الأصوات التحذيرية المهمة حوله في الطريق (مثل آلات تنبيه السيارات المسرعة أو سيارات الإسعاف)، مما يجعله في خطر دائم صنعته يداه.

دقيقتان لا تستحقان المقامرة بالحياة

دعنا نحسبها لغوياً وعملياً: لنفترض أن المسافة بين المطعم والعميل تبلغ 20 كيلومتراً:

 إذا سار السائق بسرعة \bm{100\text{ كم/ساعة}} فسيصل في نحو 12 دقيقة.

 إذا خاطر بنفسه وسار بسرعة جنونية بلغت \bm{120\text{ كم/ساعة}} فلن يصل إلا قبل ذلك بحوالي دقيقتين فقط.

دقيقتان! هذا هو كل ما يكسبه من مخاطرة قد تكلفه حياته أو تتسبب في وفاة إنسان بريء. فهل تستحق دقيقتان أن يقضي شاب بقية عمره على كرسي متحرك أو يترك أطفاله أيتاماً؟

ثم إن هذه الحسابات النظرية لا تنطبق أصلاً داخل المدن؛ فالزحام، وإشارات المرور، والتكدس تجعل فرق الوقت الفعلي لا يتجاوز ثواني معدودة لا يشعر بها العميل أصلاً، لكن السائق يقامر فيها بحياته كاملة.

كلمة من القلب إلى كل شاب في “الدليفري”

نحن لا ننتقدك لأنك تعمل، بل نحترم عرقك، ونقدر سعيك، ونسأل الله أن يوسع عليك رزقك. لكننا نرفض تماماً أن تتحول لقمة العيش إلى مبرر مقبوض لإيذاء الناس وترويعهم.

تذكر دائماً أن الله هو الرزاق، وأن الرزق لن يفوتك إذا التزمت بالنظام، ولن يزيدك التهور جنيهاً واحداً. فما كتبه الله لك سيأتيك حتماً، وما لم يكتبه فلن تدركه ولو طرت فوق الأسفلت.

اجعل الناس يدعون لك لا عليك، واكسب رزقك كما أمر الله؛ بصدق، وأمانة، ورحمة بالعباد. فالطريق ليس ميداناً للاستعراض، والدراجة ليست لعبة للتسلية، ولقمة العيش لا تكتمل بركتها إلا إذا خلت من ظلم الناس وإزعاجهم وتعريض الأرواح للخطر.