مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين تشتعل الأرض وتبكي السماء بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر

حين تشتعل الأرض وتبكي السماء

بقلم/ هاجر أحمد عبد المقتدر

لم يكن حريقُ الغابةِ مجردَ نارٍ تلتهمُ الأشجار، بل كان صرخةً مكتومةً في صدر الطبيعة، ووجعًا يمتدُّ في جذور الأرض كما يمتدُّ الحزن في قلبٍ فقد ما كان يظنه أبديًّا. حين اشتعلت النيران، ارتفعت ألسنتها كأنها غضبٌ قديمٌ ظلَّ حبيسًا في أعماق التراب، ثم وجد طريقه أخيرًا إلى الهواء.
كانت الأشجارُ التي عاشت سنينَ طويلة، شاهدةً على الفصول وتقلُّبات الزمن، تقفُ صامتةً وهي ترى النيران تقترب منها ببطءٍ قاسٍ. أوراقها التي كانت يومًا مأوى للعصافير وملجأً للظلِّ والسكينة، صارت الآن رمادًا يتناثر في الريح، كذكرياتٍ تلاشت دون أن تجد من يحفظها.
ركضت الحيواناتُ مذعورةً بين الدخان، تبحث عن طريقٍ للنجاة، وكأن الغابة التي كانت بيتها الدافئ قد تحوَّلت فجأةً إلى فخٍّ من اللهب. كان الهواء مثقلًا برائحة الاحتراق، كأن الطبيعة نفسها تبكي بصمتٍ لا يسمعه أحد.
وفي قلب ذلك المشهد، لم يكن الاحتراقُ مجردَ نهاية، بل كان حكايةً عن الفقد، عن لحظةٍ ترى فيها الحياةُ ما بنته الأعوام ينهار في دقائق. فالغابةُ حين تحترق، لا تفقد أشجارها فقط، بل تفقد ظلالها، وأصوات طيورها، وأسرار الليالي التي كانت تختبئ بين أغصانها.
ومع ذلك، يبقى في الرماد شيءٌ خفيٌّ يشبه الأمل؛ فالأرضُ التي احترقت قد تحمل في أعماقها بذورًا صغيرة تنتظر المطر، لتخبر العالم أن الحياة، مهما احترقت، لا تنطفئ تمامًا… بل تعود يومًا، أكثر هدوءًا، وأكثر حكمة.