مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حين تتفتّت الأجنحة وتعود للتحليق – الشاعرة بشرى إياد

حين تتفتّت الأجنحة وتعود للتحليق

#بشرى_إياد

ها هي الريشة بين أصابعي، خفيفة كأنها تسبح في فضاءٍ بلا جاذبية، لكنّها تحمل ثِقَلَ الحكايات كلّها…
ريشةٌ كانت يومًا جزءًا من جناح، تحمل صاحبها نحو سماءٍ بعيدة، نحو فضاءات لا يحدّها أفق، ثم جاء الزمن، فهشّمها طرفًا طرفًا، حتى بدأت تتفتّت في مهبّ الريح، كما تتفتّت أحلامنا حين نصطدم بوجه الواقع القاسي.

أنظر إليها، وأرى في خيوطها ما يشبه ذاكرتي؛ كل خيط هو ذكرى، وكل لون هو شعور، وكل ظلّ هو لحظةٌ لم أودّ أن أعيشها أو أفقدها. أطرافها المتناثرة، تلك التي تتحوّل الآن إلى ذرات صغيرة، تذكّرني بأنّ الأشياء الجميلة لا ترحل فجأة… بل تذوب بهدوء، كما يذوب الجليد في قبضة يد دافئة.

هذه الريشة ليست مجرّد جماد، بل هي رمز لروحٍ كانت تحلّق ذات يوم، حتى جاء ما قَصَف جناحيها، فصارت تتلاشى…
أفكّر، ونحن؟ كم مرّة كنّا نحن الريشة؟
كم مرّة شعرنا أننا نحمل في داخلنا قدرة على الطيران، ثمّ وجدنا أنفسنا نسقط بلا إنذار، حتى صرنا شظايا منّا نحن، متناثرة على أرصفة الأيام؟

لكن… ما زلت أؤمن أن في هذا التفتّت سرّ الخلود. فالريشة التي تراها تتبعثر، لا تضيع… هي فقط تعود إلى أصلها، إلى الهواء الذي خرجت منه، إلى الكون الذي كوّنها. وربما، بعد حين، يجمعها القدر في صورةٍ أخرى، في شكلٍ جديد، لتعود وتحلّق مرةً أخرى.

هكذا نحن أيضًا؛ حين تظنّ أن نهايتك قد حانت، اعلم أن بعض نهاياتك ليست موتًا، بل بداية لصيغةٍ أخرى منك… صيغة أقوى، أنقى، وأقدر على التحليق، لأنك جربت السقوط.

يا أيّها العابر الذي يرى ريشتي تتلاشى… لا تَحزن من المشهد. فالغياب أحيانًا هو طريقة الحياة في أن تكتب لنا فصلًا آخر، أكثر دهشةً وإشراقًا، حتى وإن كان علينا أولًا أن نتحمّل ألم التفتّت.

وكما تغيب الشمس خلف الأفق، لتشرق من جديد، ستعود أجنحتنا، ستعود أرواحنا، وسنطير… وإن كنّا اليوم مجرّد ريشة، تتلاشى في صمت.