مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حياة

Img 20250310 Wa0019(1)

كتبت منال ربيعي 

 

مؤلمٌ أن تعود بذاكرتك إلى نقاط التحوّل القليلة في حياتك، تتساءل، بعَبَثٍ مُنهك: ماذا لو اخترت طريقًا آخر؟ كيف كنت سأكون؟ من كنت سأصير؟ أؤمن تمامًا أن كل ما مررتُ به، مهما بدا عابرًا أو موجعًا، شكّلني. كل موقف، كل خيبة، كل فقد، كل شعور مُهدر، كان لبنة في بناء ما أنا عليه اليوم.

 

أنا حصيلة حطام نفسي القديمة، وبقايا أمنيات لم تفنَ بعد. أنا كل ما تبقى مني، وكل ما أطمح أن أكونه. وهنا، في هذه اللحظة، هذا “الآن” هو ما سيصنع “أنا” القادمة. لكن المؤلم حقًا أنني لا أعلم ما الذي عليّ فعله. فقدت السيطرة على نفسي، ولم أعد أرغب حتى في استعادتها.

 

لم نعد كما كنّا. ولم تعد الحياة كما تخيّلناها. شغفنا بالحياة لم يعش أكثر من نصف عمر. تخلّينا عن أشياء كنّا نظن أننا سنموت بفقدها، ثم تخلّينا عن أرواحنا نفسها. أدركنا الحياة، فزهدناها. أدركنا التفاصيل، فغرقنا فيها. أدركنا أن لكل شيء ثمنًا، وأن البراءة التي آمنا بها في الطفولة ليست من صفات هذه الدنيا.

 

أدركنا أن الشر هو الرابح في معظم الأحيان، وأن الأحلام الوردية… تظل وردية فقط، لا أكثر. اكتشفنا هشاشة مبادئنا حين تُختبر، وأن الحياة تُجبرنا على التصرف بما هو متاح، لا بما نريد.

 

أدركنا أن الأوجاع جزء طبيعي من الطريق، وأن انتظار السعادة رفاهية حالمة. أدركنا أن البقاء للأقوى، للأصلح، لا للضعيف البريء الحالم. وأن لا شيء يعلو فوق المصلحة. وأن العالم، منذ البدء، لم يكن عادلًا يومًا.

 

الشرّ لا يختفي، بل يتطوّر، يواكب العصر، ويُجمَّل بتقنيات جديدة. تطوّر التكنولوجيا، وتقدّم منظمات الحقوق، ليست إلا مسكنًا، لا يُعالج القبح المتأصّل فينا نحن البشر. كل محاولات الإصلاح، رغم نُبلها، تظل محاولات عابثة. ولو كان في هذا العالم خيرٌ كافٍ، لكان تغيّر على يد من سبقونا.