مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حوار مبدع ومثمر مع الكاتب العظيم محمود نبيل محمود وحواره الصحفي داخل مجلة إيڤرست الأدبية.

حوار : رهف الحجلي.

 

س: في البداية ، أود أن تعرف عن نفسك ككاتب.

اسمي محمود نبيل محمود، طبيب بشري، وشاعر وقاص، ومدير تحرير سلسلة ثقافية بالهيئة المصرية العامة للكتاب، اسمها سلسلة “عقول” عن سير المؤثرين.

لي أعمال تنوعت بين الشعر والقصة والمسرح والنقد والسيرة الغيرية والدراسات الأدبية والثقافة العامة. من أهم أعمالي الشعرية: ديوانا: “السر الأخير”، و”ومضات من ويكيبيديا العشق”. وفي القصة كتبت: “قصر العثمانلي”. وفي المسرح: “جبل الأسرار”. وفي النقد: “أصداء المهجر”، “الرواية فى الخليج”. وفي السير الغيرية: “د/أحمد مستجير”، “د/نجيب باشا محفوظ”، “خيري شلبي”. وفى الدراسات الأدبية: “الفكاهة والشعر”، وفي الثقافة العامة: “كورونا النبوءة والمؤامرة”، و”تغذية الطفل”، و”طريق التفوق”. تلك بعض أهم أعمالي السابقة، وليست كلها.

س: كيف التمست موهبتك و متى؟

البدايات كانت ذات طبيعة استكشافية بطبيعة الحال؛ في الثانوية كتبت شعراً، وفى الجامعة كتبت القصة ونلت عنها جائزة على مستوي جامعة أسيوط التي درست بها. وأول عمل نشرته ذاتياً كان يتعلق بموضوع في التنمية البشرية، عن المذاكرة والتفوق بالتحديد، طبعته طبعة محدودة عام 2004. ثم عرضته على دار نشر، فاستكتبني صاحبها موضوعات طبية عندما لمس أنني أكتب الموضوعات العلمية والبحثية بلمسة أدبية، كما فعلت فى كتاب المذاكرة. فكتبت له نحو 5 كتب طبية ذات هدف تثقيفي.

أما بداياتي الأدبية فجاءت منذ نشرت أول ديوان شعر، وكان مختلفاً فى أسلوبه وموضوعه؛ كان عنوانه: “الأوله فى الرعب” تأثراً بموجة القصص المرعبة، فجربت أن أكتب شعراً قصصياً يثير عاطفة الوجل والترقب. ربما أكون نجحت فى هذا أو حققت بعض النجاح؛ لأني وجدت مَن قلدني فى هذا الاتجاه من الشعراء.

س: هل تذكر أول نص كتبته و ما الذي دفعك حينها للكتابة ؟

أول نص كتبته كان عن المذاكرة. حدث هذا عقب انتهائي من دراستي بكلية الطب. كنت حينها قد وصلت لنهاية تجربة الاستذكار بكل متاعبها، وفى الأسواق لم تكن كتب التنمية البشرية وكتب المذاكرة لها وجود إلا نادراً. ففكرت أن أبسّط مسألة المذاكرة، وأعالج أهم مشكلاتها بأسلوب أدبي جذاب. المشكلة أن دور النشر حينها لم تتشجع لنشر الكتاب، وأكثرهم قال لي: أن الكتاب ممتاز لكنه كبير الحجم ومكلف، وأنه غير مطلوب فى السوق! فأصابني الإحباط مدة حتي اهتديت لدار نشر استكتبتني موضوعات طبية. فكتبتها بذات النفَس الأدبي.

س: البعض يقول ” لن يصبح الموهوب كاتباً إلا إذا قرأ كثيراً “، أتعتبر أنَّ الموهبة وحدها لا تكفي و أنَّ الكاتب بحاجة إلى القراءة المستمرة لكي يرتقي أسلوبه و تتوسع آفاقه في الكتابة أم أنَّ الموهبة إلى جانب المخزون اللغوي قادرين على نسج عمل أدبي جيد؟

الأديب الروائي خيري شلبي كان يقول: أنه يقرأ فى اليوم الواحد عشر ساعات ليكتب ربع ساعة! هناك ما يُدعي فى صنعة الكتابة: “الخامات”، تماماً كما فى أي صنعة. والخامة؛ أي المضمون والمحتوي القوي المؤثر فى القراء لن يتأتي إلا من خلال حصيلة لا من القراءة فقط، وإنما من التجربة العملية والحياتية أيضاً. هذان أمران ضروريان فى أي كاتب: القراءة بلا توقف. والتجربة الحياتية العميقة التي ندعوها “الخبرة”. ولهذا تأتي التجارب الأولي لأغلب الكتاب ضعيفة من هذين البابين فلا تحقق الصدي المرجو.

س: إن أردت طرح أو تسليط الضوء على قضية ما هل تطرح القضية بشكل مباشر أم أنَّك تمرر رسائلك و قضاياك بشكل مبطن في العمل ؟

الأمر يختلف تبعاً للجمهور المستهدف: لقد كان خطأي الأكبر فى كتابي الأول عن المذاكرة، أنني كتبته بروح أديب ينشد عدم المباشرة، بينما القراء من الطلاب يريدون الاختصار والمباشرة. وقد صححت هذا قليلاً فى كتبي الطبية والثقافية التالية.

أما الأدب فأمر آخر؛ فيه تعقيد أكبر. وقد تعالَج عدة قضايا فى عمل أدبي واحد يبدو بريء المظهر. لكنك بصنعة الأدب اللطيفة تمرر من خلال الشكل الأدبي الذي اخترته قضاياك ورسائلك بأسلوب ذكي يفهمه اللبيب، ويكشفه الناقد والقارئ النبيه. بالطبع هناك درجات مختلفة من التعمية والتبطين التي تترك مساحات من التأويل لدي المتلقي: من التورية اللفظية البسيطة إلى الرمز إلى الإسقاط إلى درجات بنيوية أكثر تعقيداً بحيث يصبح بناء العمل الأدبي ذاته يشتمل على عدة طبقات تحتمل تأويلات متباينة تصبح بمثابة متاهة للنقاد، مثل الأعمال الفلسفية والحداثية والسوريالية.

س: هل تؤمن بأن الكاتب قادر على التأثير على تفكير أو حياة القارئ ؟ و إن كنت تؤمن بأنَّ للكلمات وقع كبير قادر على التغيير لدى القارئ، إذاً ما الأسلوب الأقرب إلى قلب القارئ من وجهة نظرك ؟

أنا أؤمن أن كل البشر مؤثرون فى بعضهم البعض من خلال اللغة. قبل اختراع الدراما والسينما والإعلام المرئي، كان أسلوب التأثير الأوحد فى المجتمعات ينحصر فى الشعر. وكان يصل تأثير شاعر القبيلة أنه يهيج الجنود فى الحروب. تأثير الكلمة قد يكون قوياً لدرجة أن يحيي ويقتل. كلمة تقال فى لحظة غضب قد تقتل إنساناً، وكلمة تقال فتحيي الأمل فى القلوب.

أما ما يصل إلى قلب القارئ، فلا شك أنه قيل من قلب نابض بالحياة وبالمعاني الخلاقة. ثم إن الإمتاع هو أهم سلاح فى يد الكاتب للوصول إلى هدفه الفكري العميق. قد تستطيع إقناع أجمد العقول وأشدها صلابة بكلمات رقيقة مؤثرة فى قلب عمل أدبي. ولهذا نجد جمال عبد الناصر نفسه يدافع عن “توفيق الحكيم” عندما تعرض لهجوم نقدي جارف، وقال: أنه لولا رواية “عودة الروح” ما قامت ثوة 52. لقد تأثر بالرواية عبد الناصر فى زمن الملكية، فكانت تُعد من بين الأسباب التي ألهبت مشاعره الحماسية تجاه قضية الوطن الجوهرية حينئذ، قضية الاستعمار.

س: القلم سلاح كما البندقية، قلمك عن ماذا يدافع؟

القلم قد يكون سلاحاً قتالاً، أو كمشرط الجراح الذي يؤلم قليلاً ليشفي ويعالج. وفي جوهر الأدب أنه يُتمد من نبع القيم الجمالية والأخلاقية. لهذا فإني أراني مدافعاً عن قيم الجمال والحقيقة المجردة دون تحيز إلا إلى الإنسان فى صورته الفطرية النقية.

س: عند كتابة شخصياتك في العمل، هل تنغمس في الشخصية و تشعر بأنّك فيها و أنها فيك أم أنّك تكتب عنها من بعيد؟

بين هذا وذاك. أذكر عندما كتبت مسرحية “جبل الأسرار”، وقصص “قصر العثمانلي” أن بعض المواقف، التي هي فى الأصل نابعة من مخيلتي ولا حقيقة لها، تدفع الدموع لتطفر من عيني. وأتعجب حينها لماذا تأثرت؟!

البناء الدرامي بناء معقد، وهو عند أرسطو انعكاس لما فى الحياة، أي أننا ننقل صوراً نستشفها من لحياة، ولحياة فيها ما هو سطحي بسيط لا يثير شعوراً بعينه ولا فكراً عميقاً، وفيها ما هو عميق لدرجة أنه يرسخ فى الذاكرة ويهيج المشاعر. ففي القصة كما فى الحياة، خليط من هذا وذاك.

س: أتتعمق في الكتابة لتظهر الصراعات النفسية و الروحية المعقدة التي تجعل الإنسان يجابه ذاته أم أنّك تركز على إظهار الصراعات الحياتية المادية؟

السؤال ذو شقين: سؤال عن الأدب ذو البعد النفسي، وهو تيار أدبي لا أكتبه. فأنا أميل أكثر للتيار الواقعي الجديد. وسؤال ثاني عن لمسات فى العمل الأدبي تتعمق فى إبراز تشابكات الصراع النفسي والقصايا الوجودية للشخصيات. بالطبع هذا لا بد أن يكون موجوداً فى الأدب بشكل أو بآخر، لكني لا أكثر منه، بل أستخدمه كالتوابل التي تحسن شهية القارئ دون أن تقطع حبل أفكاره، أو تثير ملله. فالإمتاع، كما قلت سابقاً، هو الأساس الذي أحافظ به على القارئ منتبهاً لما يقرؤه.

س: في الكتابة قد نرى السارق مظلوم و لديه مبررات لفعلته خلافاً لما نرى الأمور من عدسة الواقع، هل تشعر بأنّك معنيّ لتسليط الضوء على الأفعال أو الظروف التي تحيل لردات أفعال مؤذية بحق الشخص أو المجتمع؟

الأدب الوعظي المباشر كان حقبة فى الأدب والدراما وانتهت، أو كادت. لم يعد هناك من المؤلفين مَن يكتب بهذه الروح إلا إذا كان يستمد من نبع الماضي ويعاني نوستالجيا مزمنة. ولا من المتلقين من يبتلع الأسلوب الوعظي المباشر فى الأدب.

مسألة تبرير الفعل فى الرواية والقصة، مسألة قد يلجأ لها الأديب لأنه يريد إقناع القارئ ليتبني وجهة نظره الخاصة. هذا أسلوب لا أحبذه. ففي الواقعية أنت تنقل وتعكي ما يحدث دون تدخل منك ككاتب برأي. بل تترك القارئ نفسه يتبني ما يراه من أفكار ورؤي. مثل هذا الأدب ينفتح على أكثر من زاوية فكرية وعاطفية دون تضييق على القارئ.

س: عن أعمالك، ما العمل الأقرب لقلبك و عن ماذا تحدث؟

ديوان شعر بعنوان: “السر الأخير”. ديوان فصحي عبارة عن قصائد بين شاعر وشاعرة. يمكن إدارج الديوان فى باب: “الشعر القصصي”، لأن الديوان كله عبارة عن قصة حب عميقة، تتخللها مأساة وهجر وفراق ومكائد. هي تجربة أردت فيها الجمع بين منهجي في القصة وأسلوبي فى الشعر.

س: الساحة الأدبية تكتظ بالكتّاب و الأعمال، ما الذي تعتقد أنّه يميزك؟ 

لا شئ. لا أظن أنني أفضل من غيري فى الكتابة، وأري أنني ما زلت أتعلم وأكتسب خبرة جديدة مع كل كتاب أكتبه. الذين قرؤوا كتاباتي من النقاد تكلموا عن الأسلوب باعتباره عنصر قوة فيما أكتب. لو كانوا غير مجاملين لي، فربما كان هو الشئ الذي يميز بعض أعمالي، لا أعلم يقيناً. لأن الأمر يظل معلقاً بقرائي لا بي أنا، هم الذين يحددون عناصر القوة فى هذا العمل أو ذاك.

س: في عصر السوشال ميديا قد نرى نسب المبيعات لدى الكتاب مقرونة بعدد المتابعين بغض النظر عن جودة المحتوى، ما رأيك في ذلك؟

هذا أمر يحتاج لدراسة شاملة: دراسة للسوق وللذائقة الأدبية ودراسة اجتماعية أيضاً، وهناك دراسات غربية حديثة تكلمت فى هذا الأمر، وقالت أنها سياقات طبيعية لما انتاب العالم من تغيرات سواء فى مجال التكنولوجيا أو فى مجال الديموجرافيا أو الإعلام أو السياسة الدولية.

آليات السوق والترويج لا شك أنها صارت جزءاً مكملاً لمبيعات الكتب، لأن المعروض كثير، والقراء قليلون، والنقد الأدبي المنصف عزيز. فلا يكاد القارئ يعرف كيف يختار كتاباً يناسبه فيلجأ للإحصائيات وأرقام البست سيللرز. وهي أرقام لا تعبِّر بالضرورة عن الأفضل أو الأكثر جودة.

مثل هذا الانفصال بين جودة المنتج الإبداعي والأدبي، وبين التسويق والبيع قد يظلم الأعمال الجيدة التي لا تجد من يتبناها أو يسوق لها، وبخاصة أن أكثر الأدباء فى الأصل ليسوا متفرغين للكتابة، بل هم يمارسون الكتابة باعتبارها متنفس لهم من متاعب الحياة، أو هم يعبرون بالكتابة عن متاعبهم فى الحياة. هكذا تصبح الكتابة عبئاً على كثير من المبدعين الذين لا يجدون فرصة حقيقية للمنافسة فى سوق البست سيللرز.

س: إلى أين ستصل في المستقبل و ما هي دواعي الإستمرار التي تدفعك للكتابة دون انقطاع تام؟

لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء. لا أعلم تحديداً أين سأصل ولا كيف رغم أنني دائماً أخطط للمستقبل خططاً زمنية، وهكذا كنت أفعل وأنا طالب. لكنني أغرس بذوراً لا أدري نتيجتها ولا أتحكم فى ثمارها.

أما دواعي استمرار الكتابة فهي ذاتية نابعة من داخلي، والأسباب التي تجعل أكثر الكتاب يتوقفون عن الكتابة من إحباطات مادية وواقع ثقافي فوضوي هي أسباب أقوي من أسباب استمرارهم فيها. فالاستمرار فى الكتابة فى عصرنا هذا هو فعل مقاومة يحتاج لكفاح وعزيمة.

س: حدثنا عن تجربتك كأحد كتّاب دار صيد الخاطر، و هل كانت الدار كما رغبت من حيث الدعم و الانتشار؟

هي تجربتي الأولي مع الدار. وأتمني أن يحقق كتابي عن الفكاهة والشعر أهدافه الثقافية المرجوة منه، فيكون داعماً للباحثين والنقاد بنفس درجة إمتاعه للقراء ومحبي الشعر والأدب من القراء المثقفين.

س: أخيراً، هل أعجبك الحوار و هل جعلك تكتشف في الكتابة داخلك أشياء لم تعرفها من قبل؟

حوار لطيف ومثمر وبنّاء. أثار نقاط ومحطات مهمة. بالطبع يظل الإنسان يكتشف فى ذاته وفيمن حوله أشياء جديدة وأموراً مختلفة كل يوم.