مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حوار صحفي خاص مع الكاتب المبدع محمد عطاوه داخل مجلة إيڤرست الأدبية.

حوار: آيه طه.

 

في ظل تنامي الأصوات الأدبية الجديدة، برز اسم الكاتب محمد عطاوه كواحد من الأقلام الواعدة التي قررت أن تخوض مغامرة النشر الورقي للمرة الأولى. في هذا الحوار، نقترب منه أكثر لنتعرف على تجربته، طموحاته، والتحديات التي واجهها في رحلته الأولى مع الكتاب الورقي.

 

س: بداية، نرحب بك ونتمنى لك التوفيق في هذه الخطوة المهمة. هل يمكنك أن تعرّف القرّاء بنفسك؟

السلام عليكم، معكم الكاتب التونسي الشاب “محمد عطاوه”، أدرس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، وأحمل الإجازة الوطنية في اللغة والأدب والحضارة العربية. أنحدر من محافظة مدنين الواقعة في الجنوب التونسي.

 

س: متى بدأت علاقتك بالكتابة؟ وهل كنت تخطّط منذ البداية لنشر كتاباتك ورقيًا؟

منذ الأزل، إذ كنتُ منذ بدايات دراستي مولعًا بالمطالعة، وكنت أميل إلى الروايات ذات النهايات المفتوحة والمتشعبة التي تُفعّل العقل وتُثير الفكر، حتى إنك وأنت تقرأها، تشعر كأنك راوٍ متورط في الأحداث، تغوص فيها من أبوابها العريضة. هذا الولع بالقراءة حرّر في داخلي رغبة عارمة في الكتابة، فبدأت أسطّر كل ما يحدث لي. حصلت على درجات جيدة في مادة التعبير الكتابي، وكانت أوراقي تُعلّق كنماذج يُقتدى بها من حيث الأسلوب. وكنت أكتب عن كل شيء ثم أمزّقه، إلى أن شاهدت يومًا مسرحية “البؤساء”، والتي شعرت أنها لامست كل ما مررت به. هناك، شعرت بحاجة عميقة إلى الكتابة من جديد، وكأن الكلمات اندفعت من داخلي كألسنة لهب تتهاطل على الورق، فصدر أول عمل لي، الذي أعتبره مفتاحًا لمسيرة روائية أؤمن أنها ستتواصل وتثمر.

 

س: ما الدافع الأساسي وراء قرارك بالنشر الورقي؟ وهل كان القرار سهلاً؟

هناك عدة دوافع، لعل أبرزها الفشل المتكرر الذي واجهته، والذي لم يُثنِ عزيمتي، بل شحذ إرادتي على المحاولة والمبادرة حتى وإن بدت كلماتي بلا قيمة في البداية. أضف إلى ذلك ثقتي بنفسي وإيماني بقدراتي، إلى جانب التشجيع والدعم الذي تلقيته من أساتذتي، وزملائي، وحتى كتّاب ومسرحيين شباب وكهول. أشكرهم جميعًا على ثقتهم بي، وأعدهم أن أكون على قدر هذه الثقة.

 

س: حدثنا عن عملك الأول. ما عنوانه؟ وما فكرته ومضمونه؟

العمل الأول… لا أعرف كيف أصفه بدقة، لكن يمكنني أن أقول إن فكرته بدأت من سؤال بسيط موجّه للكاتب: “متى ستتوقف لعنة القلم عنك؟” فيجيب: “عندما يكتبني ويكتبك الجنون.” ومن هنا بدأت القصة. هو عمل نفسي وجودي بامتياز، يحكي عن طبيب نفسي يعاني من مآسي عديدة، إلى أن يتلقّى هدية غامضة من رجل أشعث الهيئة، غريب الملامح، يبدو كأنه من عالمٍ آخر. عند فتحه لصندوق الهدية، وجد أقلامًا وأوراقًا لامعة كُتب على سقف كل قلم منها: “اكتب… لعلك تنجو، أو تجنّ فَتنجو مرة أخرى.” ومن هنا تبدأ الرحلة، رحلة الكتابة والهذيان، بحثًا عن إجابات في عالمٍ مليء بالفوضى والأسئلة التي لا تنتهي.

 

س: لماذا اخترت هذا العنوان بالتحديد؟ وهل ترى أنه يعكس جوهر العمل؟

حين تمسكين كتابًا روائيًا، تجدين في عنوانه سؤالًا وجوديًا ضمنيًا، كالسؤال “من أنا؟” وهو السؤال الذي لم أجد له إجابة حتى الآن، رغم كل ما كتبت. العنوان يعكس جوهر القلق الوجودي الذي يسكن العمل، ويعكس أيضًا سؤال الهوية الذي يطاردني في كل ما أكتب. فكل فصل من فصول العمل يحمل سؤالًا ضمنيًا عن الوجود، عن الذات، عن الواقع. لهذا، أعتقد أن العنوان كان مناسبًا تمامًا، وقد يكون فاتحة لسلسلة أعمال لاحقة بإذن الله.

 

س: هل استلهمت محتوى العمل من تجارب شخصية أو من الواقع المحيط بك؟ أم أنه ينتمي بالكامل إلى الخيال؟

هو مزيج بين الواقع والخيال، وبين الذاتي والعام. استلهمت بعض الأفكار من واقعنا اليومي، وبعضها الآخر من خيالي، بالإضافة إلى تأثري بعدد من الأدباء الكبار مثل محمود المسعدي ونجيب محفوظ، مرورًا بـ”رسالة الغفران” للمعري، وغيرهم. كلهم ساهموا بطريقة أو بأخرى في تشكيل رؤيتي الأدبية وصياغة هذا العمل.

 

س: ما الرسالة التي تود إيصالها من خلال هذا العمل؟ وهل تعتقد أنك نجحت في ذلك؟

رسائلي كثيرة، لكن يمكن تلخيصها في دعوة صادقة للكتابة: “اكتب كما لو كنتَ تحدث شخصًا، واقرأ كما لو كنتَ تكتب لأحدهم.” فمعرفة الذات لا تتطلب حدثًا عظيمًا، بل قد تتجلى في بعض الكلمات. كما أدعو لعدم الاستسلام، لأن التراجع استسلام للعدم، ومحو للذات. اكتبوا، لتصنعوا تاريخكم، وتعززوا وجودكم.

 

س: كيف تصف أسلوبك في الكتابة؟ وهل تميل إلى نوع أدبي معيّن؟

أسلوبي يتسم بالرمزية والوجودية، يمتزج بالغموض والهذيان والتخييل الواسع. وقد تأثرت بتجربتي المسرحية، إذ كتبت عديد المسرحيات، وربما يتحوّل هذا العمل يومًا ما إلى عمل مسرحي أيضًا. كل الآفاق مفتوحة أمامي، ولمَ لا يُعرض على أكبر المسارح يومًا ما؟

 

س: هل تأثرت بكاتب معين أو مدرسة أدبية بعينها؟ وما الكتب التي شكّلت وعيك ككاتب؟

كما ذكرت سابقًا، تأثرت بالمدرسة الوجودية العربية والفرنكوفونية، وأدباء كبار مثل نجيب محفوظ والمحمود المسعدي، وغيرهم ممن أسهموا في إثراء الأدب العربي، بالإضافة إلى التراث العربي القديم.

 

س: ما أصعب مرحلة مررت بها خلال إعداد الكتاب للنشر؟

أصعب مرحلة كانت الكتابة نفسها، وتخيل الأحداث، وتقسيم الفصول. تخيّلي أن تنتحل شخصية لا تمتّ لك بصلة، وتكتب من وجهة نظرها! وكذلك التدقيق اللغوي، الذي لا يزال مستمرًا حتى الآن.

 

س: هل واجهت تحديات مع دور النشر أو في عملية الطباعة؟

لم أواجه صعوبات تُذكر. تواصلت مع السيدة “زينب بن عثمان”، مديرة دار “نحن” للنشر والتوزيع، فرحّبت بالفكرة بصدر رحب، وأشكرها جزيل الشكر على دعم.

س: كيف استقبل محيطك الشخصي (العائلة، الأصدقاء) خبر إصدارك لكتابك الأول؟ وهل كان هناك دعم ملموس؟

بالكثير من الشغف والحماس، وبلهفة كبيرة في الانتظار، تباينت ردود الفعل بين دعم معنوي وآخر مادي، إذ تلقيت تشجيعًا من كل من حولي لإتمام هذا العمل، الذي أعدّه – كمؤلف له – بمثابة “مولود للحظة استفاقة وجودية” كان سؤالها: من أنا؟ ومن أكون؟ وأيُّ “أنا” هو هذا الذي يمثلني؟

س: كيف ترى ردود فعل القرّاء حتى الآن؟ وهل فاجأتك بعض الآراء أو أثّرت فيك بشكل خاص؟

 في الواقع، لا فكرة لدي حتى الآن عن طبيعة ردود الفعل، لكنني أوقن بأنها ستكون بين التشويق والاستغراب. أما عن عنصر المفاجأة، فقد تمثل في ما واجهته من تساؤلات عديدة، أهمها باللهجة التونسية: “الكتابة ما تجيبش فلوس، وتوّا توكلك الخبزة نهار آخر؟”… حينها، لم أجب، بل تركت للّعنة كما للقلم مهمة الرد، بمواصلة الطريق دون تراجع أو تبرؤ أو استسلام.

س: هل تفكّر بالفعل في عمل أدبي جديد؟ وإن كان كذلك، هل سيكون امتدادًا للعمل الأول أم مختلفًا عنه؟

 نعم، أفكر في أعمال قادمة، قد تكون امتدادًا لهذا الأثر، وقد تأتي بطابع مختلف تمامًا؛ سواء كانت مسرحية أو رواية ذات طابع وجودي. ما أنا متيقّن منه هو أنني لن أتوقف عن الكتابة، كما أن الكتابة ذاتها لن تكفّ عني.

 

س: كيف ترى مستقبل الكتاب الورقي في ظل هيمنة المحتوى الرقمي؟

 برؤية متأملة وبطابع داخلي مطمئن، أرى أن للكلمات المطبوعة على الورق وقعًا خاصًّا في نفس الكاتب. فالإحساس بالكتاب، ورائحة الورق، كل ذلك يساهم فعليًا في تخيّل الأحداث والعيش داخلها. يظل الكتاب الورقي تعبيرًا عن مكانة الإنسان وثقافته، وإن كنا لا ننكر فضل التكنولوجيا ووسائلها الحديثة التي جعلت من الذائقة الأدبية “مقهى ثقافيًا” نلتقي فيه بجميع المؤلفين، ونتذوّق من خلاله كل أنواع الكتب.

 

 س: ما النصيحة التي توجّهها لمن يمتلك موهبة الكتابة لكنه متردد في خوض تجربة النشر؟

حاول، كما حاول غيرك، وإن لم تنجح فأعد المحاولة مرارًا. المهم هنا أن تكتب، وأن تتخذ موقفًا من هذه الحياة – حتى ولو كان بسيطًا. أما النشر والتوزيع، فهما اليوم أسهل وأقرب إلينا من حبل الوريد.

 

س: أخيرًا، ما الكلمة التي تود أن توجّهها لجمهور القرّاء الذين يكتشفونك للمرة الأولى؟

 سؤال جميل، لكنني لا أرى في اكتشاف شخصي أهمية كبرى بقدر ما أرى الأهم في ما تحتويه النصوص من مضامين وحكايات. فبين النصح والعتاب، وبين الإمتاع والتأمل، تتجلّى شخصية الكاتب ومؤانسته لقرّائه الأعزاء. آمل أن ينال هذا العمل رضا الجميع، وأن يكون منارة تهدي وتُهتدى بها في تجارب فنية وأدبية قادمة.

شكرًا لك على هذا الحوار، ونتمنى لك التوفيق والنجاح في حياتك القادمة.