حوار: آية طه.
حين تلتقي الكتابة بالصدق، تولد الكلمات من رحم الشعور، وتتحول الأحاسيس إلى صوتٍ يهمس في قلب القارئ.
اليوم نُبحر مع كاتبة اختارت أن تجعل من الحرف مأوى وملاذًا، ومن الورق حضنًا يحتضن وجعها ووجع الآخرين.
نستضيف في هذا الحوار الخاص الكاتبة الجزائرية راضية بن وارث، التي جعلت من الخاطرة مرآةً لذاتها ونافذةً للآخرين. وحديثنا معها كان بمثابة رحلة بين سطورها، ومشهد من مشاهد الحلم المتحقق.
1. هل يمكن أن تُعرّفينا بنفسك باختصار ككاتبة؟
أنا راضية بن وارث، كاتبة وروائية جزائرية، من مواليد 14 أغسطس 2000، وأستاذة لمادة العلوم الطبيعية في التعليم الثانوي. لطالما اعتبرت الكتابة هوايةً وملاذًا في آنٍ واحد، ووجدت في الكلمات الصادقة المفعمة بالمشاعر شغفًا وطريقًا لإيصال أصوات الناس ومشاعرهم، وما يعجز كثيرون عن البوح به.
أؤمن بقدرة الكلمات والأفكار على صناعة واقعنا وتجسيد أحلامنا. أكتب لأصغي لما لا يُقال، ولأمنح المشاعر المُهمَلة مساحةً على الورق.
2. متى بدأ شغفك بالكتابة؟ وما أول ما كتبتِ؟
بدأ شغفي بالكتابة في سن مبكرة، حين كنت ألوذ بصمت الورق هربًا من ضجيج العالم. كنت أشعر دومًا بقدرتي على التقاط مشاعر الآخرين، ورصد تفاصيل دواخلهم.
أما أول ما كتبته، فكانت خاطرة عن الألم، كتبتها كما لو كنت أُمسك بيد نفسي، أُحادثها، أُصغي إليها، وأُواسيها، حين لم يكن أحد يشعر بها سواي.
3. لماذا اخترتِ فن الخاطرة؟ هل هو أقرب إليكِ من الرواية أو الشعر؟
الخواطر تشبهني؛ هي حرة، عفوية، تنبع من اللحظة وتفيض بالشعور دون تكلُّف. وهذه أنا… أملك وجهًا واحدًا، عفويًا وصادقًا، لا يحمل حقدًا ولا كراهية، بل روحًا صافية أعتز بها، ورغم حبي للرواية والشعر، إلا أنني أجد ذاتي أكثر في الخاطرة؛ لأنها لا تُقيّدني، بل تُحرّرني.
4. هل تمثل الكتابة بالنسبة إليكِ وسيلة للتعبير الشخصي أم رسالة تريدين إيصالها؟
في الحقيقة، هي كلا الأمرين. أكتب لأفهم نفسي أولًا، ثم أُدرك أن كلماتي تجد صداها في قلوب الآخرين.
حين يُخبرني قارئٌ بأنني كتبتُ ما لم يستطع التعبير عنه، أو أنني فهمتُ ما مرّ به دون أن يتكلم، أشعر برضا عميق، وكأنني كنت صوته حين خانته الحروف.
5. حدّثينا عن كتابك الأخير، ما الرسائل أو المواضيع التي تناولتِها فيه؟
كتابي “سكرات الورد” هو مجموعة من الخواطر التي تمزج بين الجمال والألم، بين الانكسار وتجلي القوة، تناولتُ فيه مواضيع الحب، الفقد، الانتظار، الانبعاث من الرماد، ومعنى أن تنضج وسط العواصف.
هو كتاب يحمل من اسمه مفارقة الحياة بين الحلاوة والوجع.
6. هل يتناول الكتاب مشاعركِ الشخصية أم تجارب لآخرين ألهموكِ؟
هو مزيج من نبضي ونبض الحياة من حولي. بعض الخواطر خرجت من أعماقي وتجربتي الشخصية، وأخرى وُلدت من نظرة حزينة، أو حديث عابر، أو قصة واقعية أثرت فيَّ بعمق.
7. هل هناك خاطرة مميزة بالنسبة إليكِ؟ أو لها قصة خاصة؟
كل خاطرة كتبتها تحمل طابعها ونبضها الخاص، ولكلٍّ منها مكانة في قلبي، لذلك يصعب عليّ اختيار الأقرب، لكن تبقى خاطرة “إنها قصتكِ أنتِ” الأشد وقعًا على روحي؛ ففي كل مرة أقرؤها، أشعر بأن همسها يتسلل إلى أعماقي كصاعقة، ويغمرني فيض لا ينتهي من المشاعر المتضاربة، هي خاطرة تتحدث عن الجمال الذي يولد من رحم الألم، عن امرأة استمدّت قوتها من لحظة ضعف، من انهيار أقسمت بعده أن تقف، وحدها، دون أن تنكسر أو تستسلم. امرأة جمعت آلامها ودموعها، ومضت بعزمٍ لا يلين نحو فجرٍ ينبثق من عتمة الليالي.
8. كيف رتّبتِ الخواطر؟ حسب المواضيع أم الترتيب الزمني؟
رتبتُها بحسب تدفّق الإحساس، لا ترتيبًا زمنيًا أو موضوعيًا.
“سكرات الورد” يشبه جولة في حديقة مشاعر تبدأ بالوجع، ثم تتدرج نحو النور، مرورًا بلحظات تأمل وهدوء داخلي، الهدف الأول من الكتاب هو أن يُمسك بيد القارئ ويوجّهه بلطف نحو الضوء.
9. هل واجهتِ صعوبة في اختيار العنوان والغلاف؟ وهل لهما دلالة خاصة؟
نعم، كثيرًا. أردتُ عنوانًا ناعمًا كالأمل، عميقًا كالألم، و”سكرات الورد” جمع بين النقيضين، أما الغلاف، فقد كان من المهم أن يكون معبّرًا دون أن يُفصح عن كل شيء، وكأنه يهمس لا يصرخ، وأخص بالشكر الكاتبة والمصممة “مروة سليمان سلامة” التي كان لها دور كبير في تصميم الغلاف، وكانت داعمة حقيقية لي في هذه الرحلة.
10. لماذا اخترتِ النشر مع دار “نبض القمة” تحديدًا؟
كتاب “سكرات الورد” فاز بالمركز الأول في مسابقة “نبض القمة 2024″، ورأت الدار أن المخطوط يستحق النشر… فتم ذلك بحمد الله.
11. حدّثينا عن خطوات النشر من البداية إلى النهاية؟
تواصلتُ مع الدار، وأرسلتُ المخطوط، ثم بدأنا مراحل التنسيق والطباعة. تابعتُ معهم كل التفاصيل خطوة بخطوة، حتى لحظة ولادة “مولودي الأدبي الأول”.
12. هل ساعدتكِ الدار في التحرير والتنسيق؟
نعم، ساعدوني كثيرًا في التنسيق والإخراج النهائي، دون المساس بأسلوبي أو اختياراتي.
13. برأيك، ماذا يُضيف التعاون مع دار نشر للكاتب؟
يمنح الكاتب المصداقية والانتشار، خاصة في البدايات. وجود دار نشر تؤمن بكلماتك هو دفعة قوية نحو الأمام.
14. كيف كان شعوركِ عندما استلمتِ النسخة المطبوعة؟
كان مزيجًا من الفخر والدهشة والامتنان والفرح. شعرتُ وكأنني أحتضن كل النسخ التي مررتُ بها، وكل لحظة تعب، وشك، وانتصار. كانت لحظة لا تُنسى بحق؛ فحلاوة النجاح لا يُضاهيها شيء. أن ترى كلماتك التي كانت مجرد حبر على ورق، تتجسد في صورة كتاب يحمل اسمك… شعور يفوق الوصف.
15. هل لاقى الكتاب صدى لدى القرّاء؟ وما أكثر تعليق أثّر فيكِ؟
الحمد لله، الكتاب لاقى صدى طيبًا. أكثر تعليق أثّر فيّ كان من قارئة قالت:
“كتابكِ، يا راضية، لخّص كل ما كنا نود قوله، وصف بدقة ما شعرتُ به وعجزتُ عن التعبير عنه، لقد ساعدني على فهم ذاتي أكثر.”
16. كيف استخدمتِ وسائل التواصل الاجتماعي في الترويج للكتاب؟
أعددتُ فيديو تعريفي شاركتُه خلال أيام معرض القاهرة الدولي للكتاب، وسأواصل مشاركة مقتطفات من الكتاب ومفاهيمه لتصحيح الفكرة السائدة عنه، فهو ليس مجرد خواطر، بل تجربة شعورية متكاملة.
17. هل شاركتِ في معارض كتب أو حفلات توقيع؟
للأسف، لم أتمكن من المشاركة هذا العام، لكنني أطمح مستقبلاً للمشاركة في حفلات توقيع ومعارض بإذن الله.
18. هل تنوين الكتابة في نوع أدبي مختلف؟
نعم، أعمل حاليًا على رواية فانتازيا تختلف تمامًا في الأسلوب، لكنها تحتفظ باللمسة الإنسانية التي أحرص عليها دائمًا.
19. هل هناك مشروع كتاب جديد في الطريق؟
بإذن الله، نعم. أعمل حاليًا على مشروع روائي فانتازي يحمل في طياته شخصيات نابضة بالحياة ومشاعر إنسانية عميقة. آمل أن يصل هذا العمل إلى القلوب، ويحقق الصدى الذي يستحقه، ويلقى استحسان محبّي الفانتازيا وكل من يبحث عن تجربة مختلفة تمزج بين الخيال والروح.
وهكذا، نختتم حديثًا امتلأ بالصدق، ومرَّ على ضفاف الحرف كما يمر النسيم على بتلات وردٍ يُزهر رغم الوجع.
راضية بن وارث، لم تكن مجرّد كاتبة في هذا اللقاء، بل كانت روحًا ناطقة بالإحساس، تشاركنا شغفها، وتُقنعنا أن الكتابة ليست ترفًا، بل بوحٌ وشفاء ومقاومة.
بانتظار كل جديد تكتبه، وكل شعور تمنحه للحياة شكلًا مختلفًا على الورق…
ولعلّ “سكرات الورد” ما هو إلا بداية لقلمٍ لا يعرف إلا أن يُزهر.






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب