حوار: ضحى مهدي
“لا مستحيل مع العزم “.
_ مَن هي فاطمة؟
*سؤالٌ لطالما زار فكري: مَن أنا؟ فاطمة يوسف حسين، معلّمة لغة عربية، أشهرٌ قليلة وسأطرق باب العمر مرّة أخرى؛ لأعايش عامي الخامس والعشرين، أقرأ وأكتب، أعلِّم وأتعلّم وأحلم. أسألني هذه اللحظة: حقّاً هذه أنا؟ هل أجبت؟ بمقدار أيّ كائن بشريّ أن يعرّف نفسه بهذه الطّريقة! في الحقيقة، ودونما إطناب، أنا الآن أسعى لأن أكون أنا الّتي حلمت بها.
_كيف كانت مرحلة الطفولة؟
*في كلّ مرحلة من مراحل الإنسان يوجد جانبين، المُشرق والمُظلم، وتلك المرحلة تعتبر من أجمل المراحل وأقساها، فيها العفوية، المرح والإنطواء، اجتمعت فيها التناقضات.
كنت شقيّة وأحيانًا هادئة، ولدت في كنف عائلة لطيفة للغايّة، تسعى لإسعادي بشتّى الطّرق، والدي كان يعمل ليلًا نهارًا ليؤمّن لنا متطلبات الحياة، ورغم الحالة المادية الصّعبة الّتي أصابتنا في فترة من الفترات لكن لم يحدث أن دخل المنزل يومًا ويده فارغة.
عانيت وأنا صغيرة من الرّبو، أكثر المشاهد التي تخطر في بالي هذه اللحظة مشاهد المرض، هو الإنسان هكذا، يستذكر من الأمور أصعبها، وأكثرها إرهاقًا ليذكّر نفسه كم قاوم ويقاوم، المرض مفردة مُرعِبة، ذئب متوحش.
فما بالكِ أن تعايش وجود هذا الذّئب طفلة!
يطول الحديث، في النّهاية عشت طفولتي بشغفٍ، حائط القرية الكبير التّابع لأرض جارنا، كنت وأنا صغيرة أقضي معظم الوقت أمامه، إن ضحكت أضحكته بمشاغبتي، وإن حزنت أرسم فوقه وجهًا باكيًا، هذا كلّه كان يحدث بمساعدة أصابع الطّباشير الملوّنة التي كنت أسرق بعضها من المدرسة، كان يراني جارنا وأنا أكتب فوق الحائط فيغضب جدّاً، فأسرّع بالرّكض، وأختفي عن أنظاره، كنت أستمتع وأنا أراه يبحث عني، أراه ولا يراني، وبعد أن يتعب من البحث، يذهب دارنا ليخبر أبي بما فعلته، هو في حضوره كان يحادثني غاضبًا، وفي غيابه كان يضحك وأضحك. أبي كان صديقة طفولتي والآن هذا كلّ ما في الأمر.
_تحدثي لنا كيف اكتشفت موهبتك؟
*عبر مجلة دعوة للتفكير، أذكر أنّي كنت أكتب وجدانيات بسيطة بإستطاعت أيّ أحد كتابتها، لكنّي عبر هذه المجلة طوّرت أدواتي الكتابية، أنصت جيدًا للملاحظات.
وشاركت من خلالها بعدّة فعاليات، مسابقات، كتب، أعداد المجلة، وهنا أخصّ بالشّكر كلّ مَن عرفتهم وصادقتهم من خلال المجلة، لم يبخلوا في تقديم ملاحظات ساعدتني جدًا لأدهش نفسي بنفسي، كانوا معلّمين حقيقيين، وأكثر، أناس حقيقيين، والأسماء كثيرة، وكلّها، تليق بمقام الشّكر ويليق بها.
_لمن تقرأين من الكُتّاب؟
*لا يوجد كاتب بعينه، أو أدب بعينه، أقرأ لأكتشف نفسي، لأعرفني أكثر، هذا على وجه العموم. على وجه الخصوص ومن ناحية التّأثر والتأثير؛ تأثرت جدًا بالأديب الروسي “مكسيم غوركي”، قرأت العديد من مؤلفاته، وكلّها راسخة، ولا سيما روايته “الأُمّ”.
_ماهو طموحكِ الذي تسعين لتحقيقه؟
*أسعى لأن أترك أثرًا، وهذا ما سأسعى إليه أبدًا، ولا سيما من خلال الكِتابة كَفن عظيم بإستطاعته فهم وتفهم الآخر، وكذلك من خلال التّعليم.
_من هو الداعم لكِ دومًا؟
*دعمني أناس كثر -كما قلت سابقًا- لكن القصة دومًا يجب أن يتصدرها عنوان واحد وحيد “أبي وأمّي”.
_كيف كانت تجربتكِ في مجال الكتابة؟ وما الذي جذبك لهذا المجال؟
- أعتقد أنني ما زلت في بداية التّجربة، الكتابة شيء مُدهش، تحوّلك أنت ككاتب لتجربة، حتّى وأنتِ تكتبين المأساة تنظرين لقلمك يتراقص نشوة وفرحًا، كونه يكتب، مجازفة حقيقية للبحث عن الحقيقة.
تجذبك من أوّل محاولة تخيلي، ورقة تسمع كلّ ما يدور داخلك، ورقة بإمكانها استيعابك والعالم مَن حولك، ورقة تدعوكِ لاكتشاف نفسك، تصبح الأمور العادية غير عادية، خيال أوسع، الشّجرة تراها وكأنّها بستان، والفم قصيدة، والعين عقل يبصر.
_ما الّذي يميّز أيّ كاتب في رأيك؟
*الفِكرة والأسلوب، يكمّلان بعضهما البعض، أرى أنّ الكاتب الحقيقي عليه إمتلاكهما معاً ليبدع شيئاً مختلفاً، وهنا المميّز، إبداع المُختلِف.
_ حدثينا عن قصة طريفة حدثت معكِ.
*ما أكثرها! فقد ابتسمت تلقائياً عند رؤية السّؤال.
إحدى المرات كنت أجالس عائلتي وكنا نشاهد مسلسلًا، ظهر في أحد من المشاهد ممثلٌ بائس، يردّد: عطشان عطشان! قمت وأتيت بقدح من الماء ورميته فوق ظهر التلفاز: اشرب اشرب!
بالطّبع احترقَ التّلفاز حينها، وأمّي بدل معاقبتي ضحكت كثيرًا، كنت طفلة، على ما أعتقد كان لي من العمر ستة أعوام، أشاكس ولا أنتبه للنتائج بكلّ الأحوال، الأمر يبدو مضحكًا الآن وممتعًا ويستحق أن يُذكَر.
_ أخبرينا عن تجربة مررتِ بها وأفادتك جدًا في شتى مجالات الحياة.
*أعظم تجربة مررت به هي تجربة التّعلم، خاصّة أن البيئة المحيطة لم تكن تعنى بالعِلم كثيرًا، ترى المرأة صالحة للزواج والطّبخ والمنزل أكثر، وصولي المرحلة الجامعيّة جعلني ألتفت كثيرًا لأهمية العلم خاصّة في حياة امرأة باحثة عن الاستقلالية.
العلم يقودنا دومًا نحو المعرفة، معرفة الذات، معرفة الآخر، وتعتبر المرحلة الدّراسية بمثابة خيط رفيع يتخذه المتعلم ليلتفت لمكانٍ أبعد، وللحق هذا ما حدث.
_كلمة شكر توجهيها لكل من عرفك ورسالة لكل شخص يسعى للنجاح.
*بداية، أشكر مجلة إيفرست جدًا على هذه اللفتة الجميلة، وعلى الحوار الّذي جمّل يومي، وأشكركِ أنتِ يا شمس، كان لي شرف الحديث إلى مبدعة مثلك.
أمّا بعد؛ يقال إن اللّه إذا أحبّ عبدًا حبّب عباده فيه، والحمد لله، الحُبّ في حياتي كبير وكثير، والأحباء كثر، والشّكر قليل جدّاً أمام محبّتهم ودعمهم.
أمّا بالنّسبة لمن يسعى للنجاح، ذات مرّة وجّه لي هذه العبارة إنسان عظيم جدًا لن أنسى ما فعله من أجلي ما حييت، وأنا بدوري أكرّرها لتأكيدها: “حاول، في المحاولة نبدع!”.
وفي الختام نتمنى لمبدعتنا مُستقبل باهر يليق بها، ولها مني ومن مجلتنا تحية معطرة بالياسمين.






المزيد
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا
يسعدنا أن نتقدم بخالص الشكر والتقدير لإدارة دار نبض القمة ومجلة إيفرست الأدبية على هذا التكريم الراقي
حوار خاص مع الكاتبة والمترجمة داليا فرج الطواب