حوار: شيماء طارق
في عالم يموج بالكلمات وتزدحم فيه الأصوات، يظل هناك كُتّاب قادرون على لمس الروح بصدقهم قبل أسلوبهم، ومن بينهم الكاتب عمار تيسير الذي استطاع أن يحفر لنفسه مكانة خاصة في قلوب القراء من خلال كتاباته العميقة والمليئة بالتأملات الإنسانية. كتاباته ليست مجرد حروف على ورق، بل رحلة داخل النفس البشرية وتفاصيلها الخفية.
في هذا الحوار الخاص مع مجلة إيفرست الأدبية، فتح عمار تيسير قلبه وتحدث عن رحلته مع الكتابة، بداياته، وأسرار نضجه الأدبي.
1- حين تنظر لنفسك اليوم كيف تفسّر دافع الكتابة الذي يسكنك؟
الكتابة ليست هواية ولا ترفًا بل هي احتياجٌ داخليّ أشبه بالأنفاس التي لا يُمكن حبسها طويلًا أشعر دومًا أن هناك شيئًا في داخلي يلحّ عليّ ليُقال وكأنّ الكلمات تسكنني لا أنا أسكنها أكتب لأستعيد نفسي من بين الضوضاء لأرتّب فوضاي ولأشعر أنني أعيش بحقّ
2- هل ترى أن الكاتب يُولد أم يُصنع وكيف كان طريقك نحو النضج الأدبي؟
الكاتب يُولد بحسّ مختلف بعين ترى ما لا يُرى وبقلب يلتقط أدقّ التنهيدات لكنه لا ينضج إلا إذا صُنع بالتجربة وبالصقل وبالقراءة والانكسارات بدايتي كانت متواضعة كتبتُ لنفسي في الخفاء ولم أجرؤ على عرض ما أكتبه ومع الوقت بدأ قلمي ينضج وبدأت أسمع صوتي الحقيقي بين السطور لا صدى أحدٍ آخر
3- إن كنت تستطيع وصف أول نص كتبته بكلمة واحدة فماذا ستكون؟
عفوي
كان نصًا فوضويًا في ظاهره لكنه نابع من صدقٍ داخليّ لا يُفسَّر لم يكن متقنًا من الناحية الفنية لكنه كان صادقًا بما يكفي ليبقى في ذاكرتي
4- هل تكتب لتفهم نفسك أم لتفهم العالم؟
أكتب لأفهم كِلا العالمين عالمي الداخليّ والعالم من حولي الكتابة عندي ليست وسيلة للتوثيق بل وسيلة للفهم والتفسير أكتشف ذاتي في كل سطر وأعيد قراءة الحياة من زوايا مختلفة كلما خطّت يدي نصًّا جديدًا
5- ما بين الشعر والرواية أين ترى نفسك أكثر صدقًا؟
في الشعر أكون أكثر عُريًا أكثر تحررًا من القيود وأكثر قربًا من ذاتي الحقيقية أما في الرواية فأنا أمارس الصدق بشكلٍ غير مباشر أوزّع روحي على الشخصيات وأتخفّى خلف المواقف لكن حين أبحث عن صدقي المطلق أجدني في الشعر دون مواربة
– هل تترك الكتابة تُعلّق عليك أسئلتها أم تُجيبها عبرك؟
أنا لا أكتب لأُجيب بل لأطرح السؤال بصوتٍ أعلى
الكتابة أحيانًا لا تُقدم حلولًا لكنها تضيء مساحات مظلمة فينا وتدعونا للتفكير بعمق أنا مجرد وسيط تمرّ عبره الأسئلة لا لأُغلقها بل لأفتح أبوابًا أخرى
7- إلى أي مدى يستعير خيالك من الواقع وهل وجدت الواقع أكثر غرابة من الخيال؟
الخيال عندي لا ينفصل عن الواقع بل يتغذّى عليه ويعيد تشكيله
وغالبًا ما وجدت الواقع أكثر غرابةً من الخيال ففي الحياة مواقف وتفاصيل لو كُتبت روائيًا لقيل إنها مُبالغٌ فيها لكن الخيال يُعطينا المساحة لنُهذّب القسوة أو نُضخّم المعاني
8- هل تؤمن أن كل كاتب لديه شخصية خفية لا تظهر إلا في كتاباته؟
نعم وبقوة
هناك وجه خفيّ لا يراه من حولنا لكنه يطلّ برأسه في الكتابة في كل نصٍّ أكتبه جزء منّي لا يعرفه أحد نحن نُخفي كثيرًا مما نشعر به في الواقع لكننا نبوح به بين السطور دون أن نقصد ذلك أحيانًا
9- أي شخصية كتبتها تمنيت أن تلتقي بها في الحياة ولماذا؟
شخصية ليلى التي كتبتُها في إحدى خواطري كانت تمثل النضج المختلط بالانكسار والقوة المتخفية خلف الهشاشة تمنّيت لقاءها فقط لأقول لها أنا أشعر بكِ جيدًا ولستِ وحدك
10- ما أثر العزلة في تشكيل نبرة كتاباتك؟
العزلة هي مهدُ أفكاري ومرآةُ صوتي الداخلي
في العزلة يصبح الصمت أكثر وضوحًا والروح أكثر انفتاحًا على ذاتها نبرة كتابتي تشكّلت من جلساتٍ طويلة مع نفسي ومع الكتب ومع التأمل في الحياة دون ضجيج
11- هل تكتب وأنت تفكر في قارئ معين أم تدع النص يختار جمهوره؟
لا أكتب لقارئٍ بعينه بل أكتب لنفسي أولًا
النصّ الصادق يعرف كيف يختار جمهوره أنا أكتب لأن هناك شيئًا يريد أن يُقال وبعدها يأتي القارئ الذي يلتقي مع النص دون ترتيب
12- ما رأيك في من يقرأ لك ولا يفهمك هل ترى ذلك فشلًا أم فرصة؟
أراه فرصة
ليس كل من قرأ فهم وقد لا يكون وقت الفهم قد حان بعد
ربما يحتاج القارئ إلى تجربة شخصية أو نضجٍ معين ليشعر بما بين السطور لذلك لا أراه فشلًا بل أراه احتمالًا مؤجلًا للفهم
13- هل شعرت يومًا أن الكتابة أنقذتك؟
نعم مرارًا
في لحظات الألم كانت الكتابة ملجئي الأول وطوق النجاة الذي انتشلت به روحي من الغرق
لم تكن وسيلة ترفيه بل وسيلة نجاح
14- هل هناك موضوع تخشاه ولا تستطيع الكتابة عنه؟
الموت
إنه الموضوع الوحيد الذي أتردّد كثيرًا في الكتابة عنه ربما لأنه شديد القسوة أو لأنه يعكس ضعفنا الإنساني أمام حتميته كلما حاولت الكتابة عنه شعرت بأنني أفقد شيئًا داخليًا لا أستطيع استعادته بسهولة
15- كيف ترى تجربة دار نبض القمة وهل تجد فيها مساحة حقيقية للتعبير والاحتواء الإبداعي؟
تجربتي مع دار نبض القمة كانت تجربة ناضجة وإنسانية
وجدت فيها مساحة حقيقية للتعبير واحتواء للمواهب واحترامًا لاختلاف الرؤى والأساليب
هي دارٌ تحتضن الكاتب لا كمجرد اسمٍ أدبي بل كإنسانٍ له رؤيته وصوته المختلف.
تمنياتي بالتوفيق والنجاح.






المزيد
«من الأزمات إلى الحلول.. البرنامج الانتخابي لوليد عاطف»
وليد عاطف: دعم الناشرين طريقنا لبناء مستقبل ثقافي أقوى.
رحلتها من الدار إلى الدار ثم إلى الأكثر مبيعًا