بقلم / خالد محمد شعبان
كلّ منا يحمل طموحاً خاصاً يداعب مخيلته لكنه غالباً ما يظل حبيس زوايا العقل المهملة، لا يزوره المرء إلا في ساعات الشرود؛ وقد يعود ذلك لأن بعض الأحلام تبدو في خيالنا أجمل من وعثاء السعي لتحقيقها أو لأن الظروف لا تبدو مواتية.. ولكن هل هذه هي الحقيقة حقاً؟
حكاية الجرّة والسراب
أتذكر في صغري قصةً تربوية وفكاهية في آنٍ واحد كانت تُروى لنا لنستخلص منها درساً في الواقعية وأهمية “اللحظة الحالية” وتجنب الغرق في تسويف الإنجاز، وتحكي القصة عن شابٍ فقير رهن كوخه البسيط ليشتري “جرة زبدة” يتاجر بها في السوق وعاد إلى بيته ليخطط لمستقبله الواعد فعلّق الجرة فوق سريره وأخذ يتأملها بنشوة.
انغمس الشاب في أحلام يقظته التي بدأت ببيع الجرة ثم شراء شاةٍ يحلب لبنها ليصنع منه الجبن والسمن ويبيعهما ثم يتوسع بشراء المزيد من المواشي حتى يغدو صاحب مزرعة كبرى ويهجر كوخه البائس، ومع تزاحم الصور في عقله رأى تجارته تزدهر ليصبح من أكابر التجار وتصل شهرته لآفاق العالم، حتى يخطب ودّه الأثرياء ويزوجونه من ابنةٍ فاتنة يرزق منها بابنٍ يبذل الجهد في تربيته فإذا عصى له أمراً.. ضربه بالعصا!
وهنا لوّح الشاب بعصاه في الهواء فاصطدمت بجرة الزبدة المعلقة بقوة فانكسرت وسقطت الزبدة عليه وعلى الأرض لتوقظه من أوهامه على واقعٍ مرير.
فخ “التخمير” الذهني
هذه هي حال كل من يمتلك مهارة أو مشروعاً أو فكرة تجارية ثم يغرق في طموحاته دون أن يبذل مجهوداً في التخطيط العملي، بل يظل أسيراً لخيالٍ جامح حتى يسرقه الوقت وتذهب فرصته لمن يقدّر قيمة العمل.
ولعلّ أبرز من يسقط في فخ “حلم الزبدة” هم الكتّاب والمؤلفون؛ إذ تبقى معظم أفكارهم العظيمة سجينة رؤوسهم ظناً منهم أن الفكرة لا بد أن “تختمر” وتنضج تماماً في عقولهم قبل الشروع في كتابتها، هذا الانتظار يؤدي غالباً إلى تلاشي التفاصيل بمرور الوقت وحين يبدؤون الكتابة أخيراً يخرج العمل مشوهاً وباهتاً لا يمتّ لجمال الفكرة الأصلية بصلة.
الخيال لا يصنع واقعاً
إن السبب الرئيس هنا هو الانغماس في التوقعات والنفور من الخطوات الإجرائية؛ فالتخيّل عملية سيّالة ومتغيرة فمن يرغب في الفاكهة اليوم قد يشتهي غيرها غداً، وكل فكرة جديدة قد تزيح سابقتها وتلغيها فإن كانت فكرة روايتك حبيسة رأسك اليوم ولم تختبرها على الورق فهي مجرد “حلم زبدة” سيذوب بمجرد شروق شمس الواقع عليه.
“إذا كنت تظن أن فكرتك عظيمة، فدع الكتابة تثبت ذلك لا الخيال.”
ففي عالم الخيال كل المشاريع ناجحة ومثالية أما حين نطبق الخطوات على أرض الواقع فإننا نرتطم بالمعطيات التي لم نحسب لها حساباً خلال “نشوة الزبدة اللذيذة” فتظهر العوائق وتتجلى الثغرات، وهذا تحديداً ما يهرب منه الكثيرون؛ فالخيال بسيط وسهل أما الواقع فمعقّد ومليء بالتحديات، لذا يفضل البعض إبقاء أحلامهم في تلك “الزاوية الآمنة” لأنها المكان الوحيد الذي يضمن لهم النجاح المطلق.. دون بذل أي جهد.






المزيد
ثَمنُ الاختيار الخاطئ
نور البداهة: عن إبصار المعجزات المتخفية في ثوب “العادي”
الحكمة ثم العلم