كتب: زياد مجدي
هل تتخيل أن تُحاكم في يومٍ من الأيامِ بسبب كونك عالم، ومكتشف فذ؟!
سؤال غريب يطرح نفسه، ولكن هذا ما حدث مع العالم والفلكي والفيلسوف الشهير جاليليو جاليلي.
وُلد جاليليو سنة ١٥٦٤م بإحدي المدن الإيطالية، وكان متميزًا منذ نعومة أظافره، فقد برع في الرياضيات والفيزياء والموسيقي، ودرس الطب بجامعةِ بيزا الإيطالية، وبدأت إنجازاته بالظهور إلي العلن وهو طالب، فقد أثبت أنه لا علاقة بين حركة البندول والمسافات التي يقطعها عند تأرجحه، وهو ما كان سائدًا في ذلك الوقت، وأوضح أيضًا خطأ نظرية سقوط الأجسام من إرتفاعٍ عالٍ، فقد إعتقد الناس وقتها أنه عند إلقاء جسمين مختلفين من إرتفاع معين، فإن الجسم الأثقل سوف يصل إلي الأرض أولًا، ولكن أثبت جاليليو خطأ هذه النظرية بتجاربٍ عديدةٍ، وبسبب تميزه، بدأ جاليليو بإلقاء المحاضرات علي الطلاب بعد أن تخرَّج من الجامعة بثلاثِ سنواتٍ فقط.
ذاع صيت جاليليو مع مرور الوقت، وإنتقل إلي مدينة إيطالية أخري، وأخترع أول ترمومتر هندسي هناك، ومن ثم إخترع منظارًا، وصنعه بنفسه عن طريق إحضار أنبوبة من الرصاص ومن ثم وضعِ عدستين علي طرفي الأنبوبة…
إنتشر ذلك المنظار في معظم دول أوروبا كلها، وليست إيطاليا فقط، وبهذا المنظار، إكتشف جاليليو عدة أشياءٍ قلبت حياته رأسًا علي عقب، فقد رأي أقمار كوكب المشتري، وشاهد الجبال الموجودة علي سطح القمر، والأهم من ذلك كله هو تأكده من صحة كلام العالم “كوبرنيكس”، فقد توصَّل ذلك العالم الفلكي إلي حقيقة صادمة، وهي أن الأرض تدور حول الشمس، وليست مركزًا للكون كما كان يُعتقد في ذلك الوقت، ولكن لم يتجرأ كوبرنيكس علي نشر هذه الحقيقة إلي العلن خوفًا من إثارة غضب الكنسية وقتها التي كانت تؤمن بحقيقة مركزية الأرض للكون، ولكن الأمر مختلف مع جاليليو…
جاليليو الذي فعل ما لم يقدر عليه الفلكي كوبرنيكس، فقد قام بنشرِ كتاب ضخم يثبت أن الأرض ليست ثابتة، وليست مركزًا للكون، بل إنها تدور حول الشمس، ومع إنتشار ذلك الكتاب، عرفت الكنسية بالأمر، وإتَّهمت جاليليو بالضلال الديني، فقد جاء الكتاب بما فيه من أراء بأفكارٍ مخالفة لأرائها ومعتقداتها، ومن هنا بدأت سلسلة من المحاكمات لجاليليو، الذي خضع فيها لأشكالٍ عديدة من التعنيف والتعذيب، وقد تم وعده بأن يتم العفو عنه في حال خروجه إلي العامة وقوله أن الأرض ثابتة، ومركزًا للكون، ولكنه رفض ذلك قائلًا: الأرض تدور وستظل تدور!.
حُكِم علي جاليليو جاليلي بالسجن لبقية حياته، وبعد سنين عديدة، أفُرج عنه بشرطِ الإقامة الجبرية في بيته الريفي الموجود بمدينة فلورنسا الإيطالية، وظلَّ هكذا لا يخرج من بيته، حتي أُصِيب بالعمي، وتُوفي عام ١٦٤٢م.
ذهب جاليليو، وبقيت سيرته الرائعة، وقد إعترفت الكنسية بخطئها فيما بعد، وقدَّمت إعتذارًا شرفيًا لجاليليو…
ذلك العالم الفلكي الراحل، الذي قال عنه “أينشتاين” أنه أبو العلم الحديث، وقال أيضًا العالم الفيزيائي الشهير “ستيفن هوكنج”، أن مولد العلم الحديث يرجع إلي جاليليو وما قدَّمه للبشرية من نظريات وفرضيات وتفاصيل مبهرة…
وتخليدًا لذكراه، وإعترافًا بالجميل نحوه، تمَّ تسمية الأربعة أقمار التي إكتشفها جاليليو علي كوكب المشتري بمنظاره، أقمار جاليليو، كما سُمِّيت بعض الأجهزة العلمية الحديثة علي إسمه مثل مركبة جاليليو الفضائية، وهي أول قمر صناعي يدور حول المشتري، وغيرها الكثير من الأشكال التي يعترف بها العالم أجمع بفضلِ ذلك الرجل الذي رحل وترك خلفه إرثًا عظيمًا.






المزيد
ثَمنُ الاختيار الخاطئ
نور البداهة: عن إبصار المعجزات المتخفية في ثوب “العادي”
الحكمة ثم العلم