كتبت: هاجر حسن
هناك حكايات تضفي على الروح بهجةً، وأخرى تبكي الروح قبل الأعين. لكن كلاهما يحمل في طياته حكمًا ودروسًا للزمن.
حكايات غزة؛ نصيبها في قصص ترجف الروح.
مثلها كمثل كقطارٍ يجري بسرعة هائلة على قضبان سكة حديدية، سائقه قد قتل، والقطار الآن بين يدي عدو يسوقه، محاولًا تدميره، عجلاته تدوي لتسحق كل من يحاول إيقافه تحت ثقل الزمن القاسي. ومع ذلك، يواصل الركاب محاولاتهم، مرة تلو الأخرى، متيقنين بهزيمة العدو وطرده واسترداد قطارهم وحياتهم، فإرادتهم لا تقهر، وحلمهم بالحرية لا يتوقف.
من بين هؤلاء الركاب، كانت الناشطة إيمان الشنطي، صاحبة صوت الحق، وعاشقة الحرية، أمًا تحب وطنها كما تحب أطفالها. فدافعت عنه باستماتة حتى آخر نفس.
كانت كلمتها كالسيوف، تحطم الصمت وتكشف وجه العدو القبيح، فتفضح جرائمه، وتكشف زيفه.
لم تكن إيمان مجرد ناشطة، بل كانت أمًا، معلمة، ومناضلة، وعاشقة للوطن الذي ظل يضيء قلبها وينير دربها. في كل كلمة، وفي كل تسجيل لها، كانت تبث في النفوس الصدق والأمل.
في الوقت الذي يخشى فيه البعض الحديث عن الحق خوفًا من العواقب، كانت إيمان تستخدم علمها ومعرفتها لتسليط الضوء على قضيتها وقضية شعبها، فجعلت من كلماتها نافذةً يرى العالم من خلالها معاناة الفلسطينيين.
من خلال سلسلتها “حق العودة” سلطت الضوء على تهجير الشعب الفلسطيني، ونزوح الخيام، ثم أضافت إلى أحاديثها إحياء التراث الفلسطيني بكلماتها التي أنارت التاريخ.
إيمان، لم تخشى الموت يومًا، بل ظللت وكأنها تنتظره، حتى كانت آخر ما كتبته على صفحتها: “معقول إنه لساتنا عايشين لحتى الآن… الله يرحم الشهداء.”
كلمات قليلة لكنها عميقة، اخترقت القلوب قبل العيون. وبعد ساعات قليلة من تلك الكلمات، جاء خبر وفاتها ليكون أخر ما تكتبه في حياته، الشهادة.
إيمان كانت رمزًا لكل حر وشريف لا يسكت عن الحق، مثلها مثل كل شهيد غزاوي، لاقى حتفه جراء عدوان وطغيان العدو، لاقت هي وزوجها وأطفالها حتفهم، ولكن كلماتها ستبقى تنبض في القلوب طوال الدهر.
فليس العبرة بالعمر الطويل، بل العبرة بما تركته من أثر طيب، حي في النفوس.
حكايات غزة لا تنتهي وما زالت الكلمات تنتظر لتسطر المزيد من الحكايات عن قطار حرية غزة…






المزيد
رثاء العلّامة المحدِّث أ.د / أحمد عمر هاشم بقلم: امل اسماعيل احمد احمد
الكتاب بين الأزمة والتطور بقلم سها مراد
مرآة التخلي بقلم الكاتبة كلثوم الجوراني