مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حــامي الكتـب بقلم فاطمة فتح الرحمن أحمد

حــامي الكتـب

 

فاطمة فتح الرحمن أحمد

 

 

تعثرتْ وأنا في طريقي للخروج من المنزل بطاولتي الخشبية القديمة التي أصرت أمي على رميها وتجديدها بآخرى من خشب الأبنوس الفاخر ، ولكن قلبي معلق بها ، سقط منها كتاب على الأرض ، وحملته ومررت بأناملي على أسمه كأني أزيل غبار غير موجود ، وقد نطقت بالكلمات الوحيدة الموجودة في الغلاف ألكسندر ليبري أو حامي الكتب .

حينها تذكرتْ تلك المكتبة التي  تطل على مهامش باحة نوڤيلا ، عندما زرتُها لأول مرة في بداية سكني الجامعي ، مكتبة مصممة على النمط الفكتوري أرففها متشابكة ، منظمة الكتب بطريقة تُذهلك ، فكُنتُ كلما فكرتُ في كتاب وجدته أمامي كأن المكتبة وجدت لتحقق مطلبي ، كنتُ أسير حول الأرفف بل أركض فأنا ما عدتُ نفسي حين رأيت كل الكتب التي أرغب بها ، كنتُ أظنني وحدي فيها إلى حين مروري بالقسم السادس للكتب الأسطورية رأيتُه جالساً خالفاً رجلاه ، ممسكاً بكُتيب صغير ويده الآخرى سانده لذقنه  ، كأن مركز الكون عنده وأن الكره الأرضية تدور حوله ، نظرتُ له على ما يُقارب نصف ساعه ولا أظنني رأيته يرمش بتلك العينين .

_ألم تنتهي من النظر إليِّ ؟

جاءني صوته أشبه بنزول غيث في أرضٍ طالها الجفاف فأستسقى الناس طلباً للرواء فأرتوى قلبي .

لم أجبه ، ونظرتُ له بنظرات بلهاء استمرت لدقائق قطعها بكلمة واحدة

_أنتي !

رفع عينيه تاركاً كتيبهُ ناظراً إليَّ ، فتجمدت أوصالي ،فسواد عينيه أربكني فكأنني أغطس  عميقاً فالفضاء فما رأيتهُ فيها أشبه بنظرتي عميقاً عميقاً لنفسي ، تجعلك تلك النظرة ذات الابتسامة الدافئة التي تحثك على الكلام في أن تعترف بأشياء انت لم ترتكبها  أظنني حسدتُ ذلك الكُتيب على استمرار تلك العينين بالنظر إليه .

وقف دافعا كُرسيهِ للخلف ، وتقدم نحوي كان طويلاً جدا في بعض الليالي كنتُ أظنه يمكنه اقتلاع نجمة من السماء ، مد يده نحوي قائلاً بإبتسامة مشرقة :

_ ألكسندر ليبري أمين المكتبة الجديد

 

أجبته بإبتسامة بلهاء :

_مرحبا

تعلقت نظراتي إلى يده الأخرى التي أزاحت خصلاته الامامية لشعره الفحمي بخاتمة ذي التنين الفضي الذي تحرك أو أظنني اتوهم ذلك …

منذ ذلك اليوم أصبحت عضو دائم بالمكتبة وقد تعرفت لأصدقاء عمري بها ، كنت أساعد بإعاده الكتب لأماكنها لكني أقسم أن الكتب تعيد ترتيب نفسها بنفسها لكني كنت أصطنع الغباء .

كنتُ كلما رأيته يقرأ كتب وسلاسل حديثه لكُتاب العصر الحالي أخبره بأن العصر الماضي هم الكتاب الأصليين وان عصرنا هذا بعضهم لا ينتمون إلى مجلس الكتاب ، كان يرد بإبتسامه فقط ويكمل قراءته ، فالوقت الذي علمت فيه أنه قد قرأ الكتب الماضيه جميعها ، فلطالما ساعدني وأصدقائي وكل اعضاء المكتبة بالحصول على جميع الكتب واعطائهم اختصارات لها ، فما توصلت إليه أنه لم يقرأ الا الكتب الحالية ….

 

رأيته في مضى وقد سقطت دمعه فمسحها بسرعه ، لقد كان متأثرا لوفاة شخصية خيالية في كتاب لسلسلة مانجا وكنت أتعجب لطباعه .

 

أعلنت السلطات بيان رسمي لإخلاء المكتبة ، بسبب انها تحمل كتب سياسية لكُتاب منسيين وأخرين منفيين مع حرق الكتب التي تعارض نظام الدولة ، رأيت عيناه أحمرت في ثانية ثم عادت لطبيعتها ، وضم قبضته حتى أضاء خاتمه ، لكنني صرخت قائلة إنها ملجأنا الوحيد بعد بُعدنا عن أهلنا ، تزايدت الأصوات ، فرأيت قبضته قد تراخت وابتسم ابتسامة مرضيه . حينها تعاهدنا مع محامي خاص لنقل المكتبه فقط ورحولها من دون ألتماس شي بها.

 

عدتُ لحاضري وقرأت خلاصه الكتاب في الغلاف الخارجي ” حامي الكُتب في جميع العصور حتى عام ٢٠٢٥”