مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حذاء صغير تحت الركام – الكاتبة رؤى مهدي

*حذاء صغير تحت الركام*

كتبت: رؤى مهدي

كان الصباح أبكمًا… كأن السماء فقدت صوتها، لا زقزقة عصافير، ولا رائحة قهوة، لا أحد ينادي أحدًا، خرجت سلمى تحمل بين يديها دمية ملوثة بالغبار ،وعينها تبحث عن شيء …لا تدري إن كان بيتاً أم أمًا أم ذاكرة ، كانت تمشي وسط الركام بخطى خفيفة، كأنها تخشى إزعاج الموتى،تسير بين بقايا ذاك المبنى الذى كان يضم منزلها كأنها تسير على قلوب لا حجارة… حذرة، صغيرة، مكسورة.
كانت تبحث…
لا عن شيء واضح، بل عن إحساس فقدته فجأة.
ذاك الإحساس الدافئ حين يهمس أحدهم: “أنت بأمان”.

عيناها تمسحان الركام كأنها تحفظ شكل الحجارة،
لعلها تميّز جدار غرفتها، أو شقًا كانت تنظر منه للسماء.
كل شيء بدا غريبًا… حتى الوجع لم يعد كما كان.

في الزاوية، رأت شيئًا يلمع تحت الحجارة، اقتربت… أزاحت الطوب بيديها المرتجفتين، كان *حذاءً صغيرًا*… حذاء أخيها الذي خرج يشتري الخبز ولم يعد، أخيها الذي وعدها بقطعة شوكولا، ثم اختفى.

*فلاش باك*
صوت أمها وهي تصرخ : “لا تخرج، القصف يقترب”،
فابتسم وقال لها: “رح أرجع بسرعة”.

لكنه لم يرجع، ركعت ونفضت التراب بأصابع مرتجفة، وكأنها تمسح الغياب، لا التراب، ثم عانقته كما لو أنه قلبه.

مرّت امرأة، قالت بخوف:
“وين أمّك؟ وين أهلك؟”
قالت بهمس:
“رايحين شوي… بس بدي أستناهم.”
كانت تقولها لا لأنها تصدّق، بل لأنها لم تتعلّم بعد كيف تُعلن اليُتم.

جلست هناك، وسط الركام،
بين يدها الحذاء… وفي قلبها مدينة كاملة رحلت، تغسل الحذاء بالدموع، في حضرة الغياب، كأنها تقول للعالم:
“هذه الحرب لا تقتلنا دفعة واحدة…
بل تترك أجزاء منا مدفونة في كل زاوية.”

النوارة