مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

حان وقت البكاء

كتبت: سارة صلاح

 

ما زلت أتذكر هذي الليلة التي سمحت لعيني فيها بالبكاء، كان العالم حينها قد انهار من حولي، هذي الضيقة التي كتمتها في صدري من سنين انهارت في لحظة واحدة؛ لم تكن لحظة عادية: لحظة انهارت فيها كل جدران قلبي حتي أني حينها نسيت كيف يدق قلبي؟

كان الجو ملتهبًا حد اللعنة؛ رغم أنه كان ملبدًا بالغيوم، أسير في الطرقات هائمٌ عل وجهي؛ لم أكن حينها أعي أي شيءٍ من حولي، كل الملامح كانت باهتة أوعلى الأصح لم يكن لها وجودٌ من حولي، إلا صرخة واحدة نفذت؛ لنياط قلبي قبل أعماق مسامعي، كانت صرخة أمًا مكتوية على ابنة كان بينها وبين الموت شعرة.

حينها رفعت عيني، لم تكن عينًا عادية وقتها: عينًا تآكلت من ظلمة الوحشة: ظلمات بعضها فوق بعض، فلم يكن هناك أي صفحة صافية بعمق عينها وقتها، وكأنها عاشت بصحراء قاحلة؛ نضب عنها الماء من زمن بعيد.

لم تعِ الأم هذي النظرة وقتها، هي نظرة غريبة لم ترها قبلاً؛ لكنها تأملت خيرًا؛ كانت ترى وليدتها قوية دومًا، شخصًا لن يقع أبدًا؛ فمعروف عن طفلتها بأنها طفل مسؤول لا يخطيء أبدًا.

هذي المرة كنت عكس توقعاتك يا أماه، كنت متعبًا، متوجعًا، متألمًا لدرجة تمني الموت، أو فقدان الذاكرة، كنت لا أعي حقيقة ما أمر به، من أنا؟ وماذا أفعل؟، ما هدف وجودي هنا؟

كنت كتومًا لمشاعري، حتي أخبرني أحدهم ألن تخبريني عنك؟ حينها لم أستطع الحديث، وأخبرتها بابتسامة اسمي فقط، وأني أنا كما تحب أن تراني لم أرد أن أخبر أحدًا بما أمر به، أو أني لا أحب أن أكون محور الحديث، أحب أن أصغي للآخرين يعبرون عن أنفسهم، أو أني لم أتعلم يومًا أن أتحدث عن نفسي أو أكون محور الحديث.

تراكمت الثقوب: الثقب تلو الآخر وأنا مستسلم غير ماضٌ في إزالة أي ثقب، وكل ثقب ترك ثغرًا فارغًا بقلبي حتي كادت دقات قلبي أن تختفي وسط الثقوب؛ حينها شعرت بهزة قلبية هائلة كأني أصارع موتًا وكريات دمي تقيم جنازة استعدادًا لموت قلبي.

حينها أعلنت الهجوم على صمتي، وكأني أصارع دبٌ في كهف، كان صمتي يهزمني في كل مرة؛ لكن هذي المرة واجهت صمتي بخوفي من الموت، وكان الموت أقوى من الصمت.

نظرت بعيني أمي وكأنها تستجدني أن أشاركها العناق، أن ألقي بحمولتي على ظهرها، أن أريح نفسي من الوجع؛ فارتميت بأحضانها، وكان حضنًا يشبه لقاء الأحبة: لقاء يعقوب بابنه يوسف، حضنًا بثثنا فيه أوجاعنا وكان الصراخ عاليًا خارجٌ من روح مذبوحة صرخت، وصرخت حتى لم يبق أي صوت، بكيت حتي نضبت دموعي.

حينها أدركت أنه حان وقت البكاء، فلم أنل خيرٌ من الكتمان والتماسك المزيف؛ لم أنل سوى ثقل الحمل وظلمًا للقلب.

ومن يومها أصبحت كثيرة الكلام، كثيرة الضحك على

 الصغيرة قبل الكبيرة؛ وكأني أعوض ما فات.

لكن لا أخفيكم سرًا ما زال ثقب الماضي مفتوحًا أعود إليه من حين لآخر وكأنه أقسم ألا يتركني أهنأ بحاضر.