جذور حرة
بقلم/ خالد محمد شعبان
في البداية لا تعرف من يكونون ولا تجمعك بهم أي معرفة سابقة، إلا أن الظروف تفرض عليك أن تقابلهم وتتعامل معهم بشكل دائم؛ فتتحفظ وترفع كل دفاعاتك النفسية في البداية وتلتزم بالرسمية في كل المواقف، حتى يبدأ لحاء تزمتك النفسي يتآكل بفعل التجارب والمشاعر المشتركة بينك وبينهم، تلك الطبقة التي كنت تظن أنها تحميك منهم تراها الآن حائطاً يعزلك عنهم.
يزيد الاحتكاك المستمر من الروابط المشتركة التي تتكون ببطء مع الزمن، فتحولك من فرد مستقل إلى جزء من المجموع؛ سواء كانوا أصدقاء أو زملاء أو حتى أقرباء، فإنك تشعر أنك أصبحت جزءاً منهم، ملتحماً مع قضيتهم ومغروساً في أرضهم، كجذور الأشجار حين تكون قريبة فتلتحم وتترابط فيما بينها وتتشارك الغذاء والماء، تشاركهم أنت كل آمالك وآلامك، ويشاركونك كل تجاربك وأفكارك، حلوة كانت أو مرّة، حتى ينصهر جزء من كيانك ليكون جزءاً من كيان أكبر يمثلكم جميعاً.
وعلى الرغم من كل هذا الالتحام لم تنصهر ذواتكم بالكامل بعد، وبقي كل منكم بوعيه الخاص وشخصيته المستقلة، وهذا الاستقلال الجزئي يصنع مسافات بينية بينك وبينهم، حيث تكون محاولة الاقتراب أكثر مؤلمة ومحاولة الابتعاد مميتة؛ تماماً كالأشجار الثابتة جذورها في الأرض لا يمكنها فك هذا الالتحام ولا الابتعاد أو الاقتراب من بعضها.
تظهر هذه المسافة في ردود الأفعال حين نقترب أكثر من اللازم، وفي القرارات حين نحاول الابتعاد مما يسبب صدمات نفسية تتفاوت شدتها بحسب المواقف، مثلما تتناقل الأشجار الآفات والفطريات بسبب تلك الرابطة، ويزيد هذا العذاب حين يقرر أي طرف من ذلك الكيان أن يصهر نفسه فيه بالكامل، ويعتمد على هذه الرابطة نفسياً بالكلية، مما يحول كل صدمة إلى رد فعل عنيف وألم لا يحتمل؛ لأنه لم يعد يملك رفاهية الانسحاب بعد أن تخلى عن استقلاليته وشخصيته الأصلية.
فإن كانت الأشجار غير قادرة على الهرب من هذا العذاب بسبب رابطة ابدية، فإنك قادر على اقتلاع جذورك بنفسك والخروج من دائرة الألم، والبحث عن أرض جديدة لغرس جذورك الحرة فيها بأمان.






المزيد
سبعٌ خلقت في ست بقلم مريم الرفاعي
(صخبك في صدري بقلم فلاح كريم العراقي
أسيادنا الجدد بقلم الكاتب هانى الميهى