كتبت: سارة عماد
في كنف ذلك الفناء حدث الكثير من الأمور الغامضة، فتاة في الثامنة عشر من عمرها، وحيدة في منزل كبير، فلا شيء قادر أن يمسح عن ملامحها تعاسة الماضي إلا أحلامها، تهاجمها ذكريات لاذعةٍ لا تنتهي، دائمًا ما تعود بذاكرتها إلى الأمس الجميل عندما كانت طفلةٌ تحب اللهو، واللعب بجانب والديها، ولا يهمُها شيء، وتمر الأيام، ويومًا بعض يومٍ، وصارت هذه الطفلة فتاة كبيرة ناضجة، وحيدة، ولا أحدٍ بجانبها، لا يوجد أمٌ، ولا أبٍ، ولا إخوة، ولا أصدقاء حتى، الجميع تركها وحيدةٌ في هذا العالم الغريب بين أناسٍ غريبين، دائمًا ما تنظر لديجور الليل الذي يشبهُ حياتها، تتطلع دائمًا إلى الأفق في السماء، وتتأمل بها، وتسبَح بخيالها بين طوالع النجوم؛ لعلها ترى والديها نجمة بين هؤلاء النجوم؛ ولكن عندما تنظر لا تجد أحد، تفكر في كل ما حدث لها منذ طفولتها، أين ذهب والديها وتركوها؟
ألم يخبروها أنهم ذاهبون إلى السينما، وسوف يعودون مرة آخرى؛ فأين هم الآن؟
منذ ذَلك الحادث اللعين الذي حدث يومها؛ لكانوا الآن بجوارها، ولم يتركوها قط؛ ولكن قد شاء القدر على موتهم، وأصبحت تلك الطفلة الجميلة التي تزين الابتسامة وجهها إلى فتاة كبيرة بوجهٍ باهت وحزينٌ، لا تعرف معنى للفرح، والسعادة إلّا بأحلامها، تعيش هذه الفتاة مع ذاتها ضد كل الصراعات، والحروب التي بداخلها الذي لا يعلمُ عنها أي أحد، وحدها مَن تعاني مِن تلك الألآم التي تواجهها؛ ولكن الآن هي تهرب من هذا الواقع الكئيب بنومها إلى الخيال، والأحلام الجميلة تتحدث وترى من تريد، وفي أي وقتٍ تريد؛ ولكن تحولت هذه الأحلام أيضًا إلى كوابيسٍ مخيفةٌ، وتراودها دائمًا، لا تعلم كيف تتغلب عن كل هذا؟
وتتسائل دائمًا لماذا يحدث لي كل هذا؟
منذ أن كانت في السادسة من عمرها وهي تعيش في هذا الواقع القاسي، تقول: لا أعلم لماذا اختارني القدر من بين الجميع، وأصبح هذا مصيري، أريد أن أعرف ما الغرض من وحدتي يا الله؟
فهي تعلم أن كل ما يحدث لها هو خيرٌ من عند الله؛ ولكن ليس بيدها أن تحزن، أو لا تحزن؛ فكل ما يحدث لها من جذوة الذكريات؛ ولكن قرَّرَت اليوم وعاهدت نفسها أن لا تسمح بالحزن أن يسيطر عليها، وتخرج من ذاك البيت الأشبه بالسجن، وتعود مثل السابق، وتتوكل على خالقها، وتعيش حياتها من جديد.






المزيد
فقدت روحي بقلم آلاء حجازي
ماذا لو كانت نهاية ديسمبر لقاء؟ بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
بين الأفضل والأنسب الكاتب هانى الميهى