جانيدا القابِلة النُّور بقلم سيّدة مالك
قال جرجس ، زوجي العزيز والذي أُصيب بالعمى والعُقم : ” حلَّت عليكِ البركة ، إذ هبط على يديكِ الكثيرُ من الأطفال ، يا جانيدا .”
كنتُ أروي يديَّ بالدماء الغزيرة التي تَهَبُها لي الأمُّ وطفلُها ، وإذ يخرجُ الصغيرُ أغسلهُ وأجفِّفُه ، ثمّ أُلقيهِ في يدِ والدهِ حتى يُفرِغِ العينين من مائهما عليهِ . وفي خضمِ أكثرِ اللحظاتِ شاعريّةً وعذوبةً ، أهربُ للخارج ، وأنظرُ نحو الأشجارِ الكثيفةِ والسماءِ الملوَّنة .
وفي يومٍ غنّت فيهِ الطيورُ ملءَ صوتِها ، ونامت الإوزاتُ لأنَّ النمورَ تجوبُ الفناءَ بحثًا عن الحقيقة .
في ذلك اليوم تحديدًا ، جاء إلى الدُنيا ، إلى الحياة بطيبتها وأنغامها الصاخبة . و بعد أن سلبَ أُمَّهُ يومان من المخاضِ المؤلم ، والشهيق والزفير ، والكثيرِ من المورفين ، أطلقتِ الأمُّ صرخةً حارّة ، وخرج الصغير ، صغيرًا أكثرَ من اللازمِ إلى هذه الحياة ، كان مثلَ الطائرِ ، أغدقت عليهِ الدماءُ سِحرَها وغرابتَها ، ذهبتُ به صوبَ الغُسل ، غُسلِ الحياةِ الحالمة ، غُسلِ النجاةِ من الألمِ والموتِ شديدِ البياض . وبعد عناءٍ نجحتُ في أن أُزيلَ عنهُ غشاءَ الضحك ، فبكى ، كان حلوًا وصغيرًا .
جاء مع الفجر ، ولم ينظُر إلى الشمس قطّ ، ولن يفعل ذلك أبدًا ، أبدًا ما حيينا . مات بعد يومين من قدومه إلى الحياة .
وعندما نَظَرتْ بحرصٍ ، دون خوفٍ باهِتٍ ، نحو الصغيرِ الطازِجِ ، اللَّيِّنِ ، حديثِ الولادةِ ، الذي يرقدُ فاردًا قدميهِ للأمام ، طاويًا يدَيْهِ على صدرهِ ، ناظرًا للأُمِّ التي أنجبتهُ ، والأُمِّ التي ساهمتْ في عمليةِ ولادتهِ ، لكن دون أن يَفرُكَ عينيه ، أو يُخرِجَ شرابًا حامضًا من أمعائهِ ، دون أن يُطلِقَ العِنانَ لصوتهِ بالبكاء ، ولدمعهِ الشَفّافِ بالانزلاق ، دون أن يُدرِكَ الآثامَ أو يَلمِسَها أبدًا .
شَعَرَتْ بالألمِ فوقَ العظام ، وآمَنَتْ كُلَّ الإيمانِ بالأحلامِ والآثامِ الطفيفة .






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى