الكاتبة:- سلسبيل حسين
تخيّلوا لو كانت حياتنا بلا إنترنت. كم كانت الجلسات أكثر دفئًا، واللقاءات أكثر قربًا. في الماضي، كان كل لقاء فرصة للحديث بصدق، وللاستماع بعمق، ولم نكن بحاجة إلى شاشة لنتواصل. كنا نلتقي بأعيننا، وتنبض أرواحنا بالكلام دون أن نحتاج إلى كلمات كثيرة. كل لحظة كانت ثمينة، وكل دقيقة كانت مليئة بالمعنى.
في عالمنا اليوم، أصبحت حياتنا أسرع وأكثر سطحية. نتواصل عبر التطبيقات والشاشات، ولكننا نبتعد عن لحظات الاتصال الحقيقي. “من لا يستثمر وقته في من حوله، سيشعر بالفراغ عندما يفتقدهم”. كنا نتبادل الأفكار، ونشارك الأحلام والأفراح، وكان لكل لقاء طعمه الخاص.
اليوم، أصبحنا نتسابق في الحياة، ننتقل من رسالة إلى أخرى، ومن إشعار إلى آخر. لكن الحياة ليست مجرد تسارع، بل هي لحظات نعيشها مع من نحب، وهي دقائق نقضيها في حديث حقيقي من القلب. “الوقت الذي لا نمضيه مع من نحب هو الوقت الذي لا يُعاد”.
فلنحاول أن نعود إلى تلك الأيام التي كانت فيها الوجوه أكثر وضوحًا من الشاشات، والحديث أكثر صدقًا من النصوص الجافة. لأن الحياة ليست في سرعة الإنترنت، بل في عمق اللحظات التي نعيشها معًا.
والأكثر إيلامًا هو تحول العلاقات إلى مجرد رسائل نصية وجمل مقتضبة، حيث نرسل كلمات قصيرة عبر “واتساب” أو “سناب شات”، ولكن أين المعنى الحقيقي وراء تلك الكلمات؟ أين العيون التي تقرأ بين السطور؟ لقد أصبحنا نعيش في دائرة ضيقة من التواصل البارد، حيث لا يمكننا أن نلمس إحساس الآخر، ولا أن نرى تعبيرات وجهه التي قد تحمل من الرسائل أكثر مما تنقله الحروف. حتى الحب والصداقة أصبحا يُنقلان عبر شاشات تزداد برودتها مع مرور الوقت، فنحن نحتاج إلى لحظات حقيقية، نعيش فيها ببساطة مع بعضنا، دون حاجة لتفسير أو فلتر.
في النهاية، أليس الغريب أن يمر يوم كامل دون أن نتوقف للحظة لنسأل: هل فعلاً نحن هنا؟ أم أننا نعيش في عالم آخر؟ غارقون في حياة افتراضية عبر أجهزتنا الذكية، نغذّي فيها رغباتنا واهتماماتنا، بينما يمر الزمن في الواقع ونحن لا نعلم عنه شيئًا. لقد فقدنا القدرة على الاستمتاع باللحظات التي كانت تمثل الحياة في صورتها الصافية، وباتت أعيننا تترقب الحياة عبر الشاشات، دون أن ندرك أننا نخسر شيئًا أغلى، شيئًا لا يعوّضه أي جهاز مهما تطوّر.






المزيد
واعظ الحي نقنقة بقلم كلثوم الجوراني
بين مد وجزر بقلم شهد طلعت
شفقٌ بلا ثقافة بقلم مريم الرفاعي