تحول إلى جبل بقلم صافيناز عمر
التراكم هو الثقل الذي يتسلّل ببطء، دون ضجيج، فيستقر في الأعماق. يبدأ بذرة صغيرة من صمتٍ لم يُكسر، بوجعٍ لم يُقال، بدمعة انطفأت قبل أن تسقط، بقرار مؤجَّل، وبأحلام أُجِّلت أكثر مما ينبغي. ومع مرور الوقت، تتجمع هذه الشذرات الصغيرة لتصنع جبلاً يضغط على القلب والنفس، حتى يصير التنفّس نفسه عبئًا.
التراكم ليس لحظة واحدة من الألم، بل هو مئات اللحظات التي جُمعت فوق بعضها كحجارة ثقيلة. هو كل كلمة كان يجب أن تُقال ولم تُقَل، وكل شعور كان يستحق أن يُعاش ولم يُعش. هو الصبر الذي ظُنَّ أنه قوة، بينما كان يُحوِّل الداخل إلى ساحة مزدحمة بالهموم.
ما يميّز التراكم أنه صامت. لا يصرخ ولا يفضح، لكنه يخنق. يظهر فجأة في صورة إرهاقٍ لا مبرر له، دمعةٍ تسقط بلا سبب واضح، ضيقٍ يملأ الصدر بلا حادث محدد. إنه ليس نتيجة موقف واحد، بل أثر آلاف المواقف الصغيرة التي لم تُحلّ في وقتها.
التراكم يعلّم أن التأجيل ليس راحة، وأن الكتمان ليس صلابة، وأن الهروب من المواجهة ليس شجاعة. فما يُهمل اليوم يعود غدًا أثقل، وما يُكتم في القلب ينفجر حين لا يتوقع أحد.
هو صورة واضحة لحقيقة الإنسان: لا شيء يضيع، كل ما يُترك وراءه يعود. كل وجع، كل خوف، كل خيبة، كل صرخة محبوسة، تظل حيّة في الأعماق، حتى تتراكم، فتشكّل سجنًا من الداخل.
التراكم هو مرآة صامتة تقول إن الصغير لا يظل صغيرًا، وإن الحزن المهمل ينمو، وإن الروح تحتاج إلى التفريغ كما يحتاج الجسد إلى الهواء. هو الدرس القاسي الذي يكشف أن النجاة لا تكون بالصمت، بل بالمواجهة، وأن الراحة لا تُكتسب بالتأجيل، بل بالتحرر أولًا بأول.






المزيد
بتوقيت قلبك أم عقلك ! بقلم سها مراد
توقيت بقلم دينا مصطفي محمد
حين يمسك الحبُّ بيدك… بينما تحترق ملامحك في صمتٍ لا يُرى بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر