إعداد: ليمار وليد (باحثة في العلاقات الدولية)
شهدت العلاقات المصرية–التركية خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، انتقلت خلاله من مرحلة التوتر والقطيعة السياسية الحادة إلى مسار متزايد من التقارب، والتهدئة، والتعاون المؤسسي. ولا تبدو هذه التحولات وليدة حدث مفاجئ، وإنما جاءت نتيجة تراكمات سياسية، واقتصادية، وإقليمية متلاحقة أعادت تشكيل أوراق وحسابات القاهرة وأنقرة على السواء.
أولاً: نقطة الانكسار والتدهور الدبلوماسي (2013)
شكّل عام 2013 نقطة الانكسار الأبرز والأشد في تاريخ العلاقات الحديثة بين البلدين، عقب التطورات السياسية التي شهدتها مصر، والتي اتخذت تركيا تجاهها موقفاً معارضاً بشدة. أدى ذلك إلى تدهور سريع في العلاقات السياسية، وتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي، لتدخل العلاقة مرحلة طويلة وممتدة من التباعد.
ولم يكن الخلاف في تلك المرحلة مجرد اختلاف حول قضية سياسية واحدة، بل ارتبط بتباين أوسع وأعمق في الرؤى تجاه ملفات الشرق الأوسط، والأمن الإقليمي، والغاز في شرق المتوسط.
ثانياً: بذور الحوار والمشاورات الاستكشافية (2021)
لكن العلاقات الدولية لا تعرف الجمود الدائم؛ ومع تغير البيئة الإقليمية والتحالفات الدولية، بدأت القاهرة وأنقرة في اختبار إمكانية تجاوز مرحلة الجمود.
ففي مايو 2021، عقد البلدان أول جولة من “المشاورات الاستكشافية” في القاهرة؛ حيث ناقشا العلاقات الثنائية وعددًا من الملفات الإقليمية الشائكة، بينها الملف الليبي وأمن شرق المتوسط. وكانت هذه الخطوة الجريئة بمثابة انتقال عملي من سياسة التباعد والشحن الإعلامي إلى محاولة إدارة الاختلاف عبر قنوات الحوار الدبلوماسي المباشر.
ثالثاً: رفع التمثيل والدفع الرئاسي (2023–2024)
استمر هذا المسار التدريجي حتى يوليو 2023؛ عندما أعلنت مصر وتركيا رسمياً رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية بينهما إلى مستوى السفراء، في مؤشر واضح على انتقال العلاقة من مجرد اتصالات أمنية واستكشافية إلى إعادة بناء الإطار الرسمي الكامل للعلاقات.
ثم جاء عام 2024 ليمنح التقارب دفعة سياسية وزخماً غير مسبوق:
فبراير 2024: زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القاهرة.
سبتمبر 2024: زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنقرة، في أول زيارة رئاسية مصرية إلى تركيا منذ 12 عاماً.
وتزامن ذلك مع انعقاد الاجتماع الأول لـ “مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى” بين البلدين، بما أعطى التقارب إطاراً مؤسسياً وتنفيذياً يتجاوز مجرد اللقاءات السياسية أو البروتوكولية العابرة.
رابعاً: المحرك الاقتصادي والتأسيس المؤسسي (2025)
لم يكن الاقتصاد بعيداً عن هذا التحول الجوهري؛ فقد أصبح تنامي التجارة والاستثمارات المتبادلة أحد أهم العوامل القوية التي تدفع باتجاه تثبيت العلاقات وتأمينها.
وأعلنت وزارة الخارجية التركية في نوفمبر 2025 أن حجم التجارة بين البلدين اقترب من حدود 9 مليارات دولار، مع استهداف رفعه إلى 15 مليار دولار، إلى جانب توسيع آفاق التعاون في مجالات الطاقة، والنقل، والصناعات الدفاعية.
وفي العام نفسه، عقدت مصر وتركيا الاجتماع الأول لـ “مجموعة التخطيط المشتركة”؛ وهي آلية استراتيجية تهدف إلى متابعة تنفيذ الاتفاقات ومذكرات التفاهم، والتحضير الدائم للاجتماعات القادمة لمجلس التعاون الاستراتيجي. وهنا يمكن ملاحظة تطور جوهري في طبيعة العلاقة: فبعد أن كان الطرفان يبحثان عن إمكانية استئناف الحوار، أصبحا يعملان على إنشاء آليات لمتابعة التعاون بصورة منتظمة ودورية.
خامساً: ترسيخ الشراكة وتأطير الاتفاقات (2026)
وفي فبراير 2026، استضافت القاهرة الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى؛ وشهد الاجتماع توقيع مجموعة موسعة من مذكرات التفاهم في مجالات متعددة، شملت: التجارة، والاستثمار، والدفاع، والزراعة، والصحة، مع إعادة تأكيد البلدين على الهدف الاستراتيجي برفع حجم التجارة إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028.
ومع استمرار هذا المسار بثبات حتى أغسطس 2026، جاءت اجتماعات مجموعة التخطيط المشتركة مجدداً لتؤكد أن التقارب لم يعد قائمًا على القمم والزيارات الرئاسية وحدها، وإنما أصبح مرتبطاً بآليات مؤسسية وهيكلية لمتابعة الاتفاقات وتوسيع مجالات التعاون اليومية.
سادساً: قراءة في فلسفة التحول الإقليمي
ومن هنا، فإن قراءة العلاقات المصرية–التركية لا ينبغي أن تقتصر على القول إن البلدين انتقلا ببساطة من الخصومة إلى الصداقة؛ فالعلاقات الدولية والتوازنات الإقليمية أكثر تعقيداً من هذه الثنائية التبسيطية. فما نشهده يبدو أقرب إلى انتقال متزن من “إدارة الخلاف عبر القطيعة” إلى “إدارة الخلاف عبر الحوار والمصالح المشتركة”.
كما أن التقارب الحالي لا يعني بالضرورة اختفاء جميع نقاط الاختلاف بين القاهرة وأنقرة؛ فالدول قد تتعاون بفاعلية في مجالات التجارة، والطاقة، والدفاع، بينما تحتفظ بمواقف مختلفة تجاه بعض الملفات الإقليمية الشائكة. لكن الفارق الأساسي والأهم أن هذه الاختلافات لم تعد تمنع استمرار قنوات الاتصال الفعالة والتعاون في المساحات التي تتقاطع فيها المصالح.
خاتمة ورؤية مستقبلية
بالنظر إلى المسار الممتد من 2013 إلى 2026، يمكن ملاحظة تسلسل منطقي وواضح:
توتر وقطيعة ⬅️ حوار واستكشاف ⬅️ تطبيع ورفع تمثيل ⬅️ بناء مؤسسات وهيئات للتعاون.
وهذا يجعل مستقبل العلاقات المصرية–التركية مرتبطاً بقدرة الطرفين على تحويل هذا التقارب السياسي إلى شراكة استراتيجية مستقرة، وعلى الحفاظ على آليات الحوار عندما تظهر خلافات أو أزمات إقليمية جديدة.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم هو: هل انتهى الخلاف المصري–التركي تماماً؟
بل: هل نجحت القاهرة وأنقرة في تحويل الخلاف من عائق أمام العلاقة إلى ملف يمكن إدارته واحتواؤه داخل علاقة أوسع تقوم على المصالح الاستراتيجية المشتركة؟
حتى الآن، تشير المعطيات والتطورات السياسية إلى أن الإجابة تميل بنسبة كبيرة نحو نعم؛ لكن اختبار هذه الشراكة الحقيقي سيظل دائماً في قدرتها على الاستمرار والصمود عندما تتغير الظروف الإقليمية وتظهر ملفات جديدة قد تختبر متانة هذا التقارب.
المصادر والمراجع:
1. وزارة الخارجية التركية — العلاقات السياسية بين تركيا ومصر.
2. وزارة الخارجية التركية — البيان المشترك للمشاورات الاستكشافية بين تركيا ومصر، القاهرة، مايو 2021.
3. وزارة الخارجية التركية — الإعلان المشترك بشأن رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية، يوليو 2023.
4. وكالة رويترز (Reuters) — تغطية زيارة الرئيس المصري إلى تركيا، أنقرة، سبتمبر 2024.
5. وزارة الخارجية التركية — المؤتمر الصحفي المشترك لوزيري خارجية مصر وتركيا، نوفمبر 2025.
6. وزارة الخارجية التركية — البيان المشترك لمجموعة التخطيط المصرية–التركية، نوفمبر 2025.
7. رئاسة الجمهورية المصرية — بيان الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي المصري–التركي، القاهرة، فبراير 2026.
8. وزارة الخارجية التركية — بيان اجتماع مجموعة التخطيط المشتركة المصرية–التركية، أغسطس 2026.






المزيد
المولد النبوي الشريف: عودة النفس إلى نور النبوة
عندما يرحلون: دليل النفس للبقاء بعد الفراق
سُبُل اتباع القطيع خيرٌ من الوحدة…