مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

تجمع بين الرعاية، والابتكار

Img 20250513 Wa0197

 

بقلم : محمد طاهر سيَّار الخميسي. 

في بلادِ اليمن السعيد، حيثُ النقاءُ والصفاء، والهواءُ العليلُ المُعطرُ برائحةِ الزهر، وحيثُ تتناغمُ الطبيعةُ في سيمفونيةٍ خالدةٍ من الجمال، تتشكلُ لوحةٌ فنيةٌ أخّاذةٌ تُبهجُ الروح وتنعشُ القلب. هناك، حيثُ تمتدُّ الخُضرةُ كأنها بساطٌ من زمرد، وتتعانقُ الأشجارُ مع غيوضِ الوديان، وتفترشُ الحقولُ الورديةُ وجهَ الأرضِ بألوانها الزاهية، تنطلقُ العصافيرُ مغرّدةً بألحانِ الصباح، على نغماتِ الأملِ المتجدِّد، بينما الغيومُ ترسمُ في السماءِ قوالبَ ثلجيةً ناصعة، وتنسجُ الشمسُ خيوطَها الذهبيةَ على صفحةِ الأفقِ كما ينسجُ العنكبوتُ خيطَه بدقةٍ وجمال.

 

وفي هذا الفردوسِ الأرضي، تمشي فتاةُ العِلمِ والطِّب بخطًى واثقةٍ، تلامسُ ثيابُها الزرع، وتداعبُ يدُها سنابلَ القمحِ فتزرعُها أملًا وتغرسُ فيها الحياة. تقطفُ ثمارَ الجوافةِ والمانجو، وتحملُ في عودتها إلى الديارِ أعلافًا للأبقار، التي تدرُّ عليها الحليبَ الأبيضَ كالعطاءِ المتدفِّق، فتُعدُّ منه الحقينَ وخلاصةَ السمنِ البلديِّ بعنايةِ الأناملِ المُحبة.

 

ثم تنظرُ إلى ساعةِ الطموحِ بتوقيتِ الدوام، وتستبدلُ لباسَ الحقولِ بالزيِّ المدرسيِّ الأنيق، وتشدُّ حقيبتَها على ظهرِها، كأنها تحملُ وطنًا من الأحلام، وتسيرُ نحو المستقبلِ بخطى لا تعرفُ التراجع، ولا ترضى إلا بالعلوِّ.

 

أبوها، المؤذنُ الذي يرفعُ صوتهُ في المآذنِ عاليًا، رجلٌ يقفُ في ساحةِ العلمِ كجنديٍّ يؤدي واجبه، يحسبُ معادلاتِ الرياضياتِ بقلبِ المُربي، وعقلِ المُفكر. وأمها، التي يلهجُ لسانُها بالدعاءِ آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار، سندُها الدائمُ، ومصدرُ الحنانِ الذي لا ينضب. إخوانُها يحيطون بها كالهالةِ حولَ النور، يرونَ فيها مثالًا يُحتذى، ونجمًا يضيءُ دروبَهم.

 

أما جدُّها، ذاك الشيخُ الوقورُ، الذي تربّت في كنفِ حنانه، وتعلّمت من صبرهِ وحكمتِه، فهو تاجُ رأسها، وسرُّ إخلاصها. لا تُفارقُه إلا إذا فارقَ أحدُهما الحياة.

 

تعشقُ العزلةَ مع كتبِها، وتتخذُ من إحدى زوايا غرفتها محرابًا للعلمِ والتأمل، تحت ضوءِ مصباحٍ منيرٍ، تسهرُ على تحقيقِ حلمٍ باتَ يُشبهُ قَدَرَها. تحملُ شهادةَ البكالوريوس، وتملكُ رخصةً دوليةً في قيادةِ الحاسوب، وتسيرُ بخطى واثقةٍ نحو تخصصِ مساعدِ طبيب، مرتديةً الرداءَ الأبيض، حاملةً السماعةَ الطبية، عاقدةً العزمَ على أن تجعلَ من الألمِ أملًا، ومن الدواءِ رسالةَ حبٍّ ورحمة.

 

تحملُ على عاتقِها مسؤوليةً جسيمةً، ترعى بها أهلَها، وتُعنى بجدِّها المسنِّ المتعب، الذي أقعدهُ المرض. هي عكازُه حينما تتعبُ قدماه، وهي سندهُ حين يثقلُ عليهِ الكاهل. في عينيها يرى الراحةَ، وفي ابتسامتها يجدُ الطمأنينة. لباسُه نظيفٌ، وسريرُه مفروش، وبيته مرتّب، بروحِها التي تتفانى في خدمته.

 

في قلبِ اليمن، حيث تتلألأ النجومُ في سماءِ الحلم، تسكنُ فتاةُ الطبِّ بقلبٍ طاهرٍ، وروحٍ نقيةٍ كنسمةِ الفجر. هي قلبُ جدِّها النابضُ، وروحهُ التي تحرسُه، كما هو قلبُها الذي لا يخافُ إلا عليه. تسعى لرضاهُ، وتتشبثُ بدعائهِ كأنه صكُّ أمانٍ من الدنيا للآخرة.

 

لم أكن أعلمُ من حياتها سوى القليلِ، لكنّ مكانتَها في قلبي لا تُقاس، فهي من الدرجةِ الرفيعةِ في وجداني، وأحدُ أعمدةِ فريقي في الشركةِ العالميةِ التي جمعتنا. حققنا معًا إنجازاتٍ عظيمةً، إذ كنّا نحملُ طموحًا فولاذيًا، وقلوبًا تؤمنُ بأنّ المستحيلَ مجردُ وهم.

 

كانت كلماتُها العذبةُ تبثُّ فيَّ الحياةَ، وتحفيزُها لي كان نبعًا لا ينضب. صمّمت لي نصوصي الأدبيةَ، فكنتُ بها أديبًا تفتخرُ به سماءُ الأدب. شعرتُ في قربِها بالاحتواء، وشجعتني على مواصلةِ طريقي نحو الإعلامِ والصحافة، لأحملَ رسائلَ الناسِ، وأكونَ صوتًا لقضايا الأمة.

 

علّمتني أنَّ العلمَ لا يرتبطُ بعمر، وأنَّ الطموحَ لا يعترفُ بالقيود. التحقت بدراسةِ الطبِّ في سنِّ تسعة وعشرون ربيعًا من العمر، لكنها تفوقت، وعاشت حياةَ الزاهداتِ المتبتلات، مخلصةً، صبورةً، مؤمنةً برسالتِها.

 

سأظلُّ أحبها ما حييت، لعطفِها وحنانِها، ولأنها الوحيدةُ التي مال إليها قلبي دون رجعة. عقدُ المودةِ بيننا لا يقطعهُ إلا قضاءُ الله، وفي ابتسامتها أجدُ لذةَ الحياة، وفي حديثِها تكمنُ سعادتي الحقيقية. كلُّ خصالِ الخيرِ تجمعت في فتاةِ الطب: أدبٌ جمّ، حلمٌ واسع، ذكاءٌ لامع، رحمةٌ حانية، عفّةٌ مصونة، وشرفٌ رفيع، ووفاءٌ لا يُضاهى.