مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بين ما كنّا… وما صرنا بقلم/ هاجر أحمد عبد المقتدر 

بين ما كنّا… وما صرنا

 

بقلم/هاجر أحمد عبد المقتدر

 

 

كان الماضي يشبه بيتًا دافئًا، حتى وإن امتلأ بالشقوق.

نعود إليه لا لأنّه كان كاملًا، بل لأنّنا كنّا أبسط، أقل وعيًا بالألم، وأكثر قدرة على الاحتمال.

كنا نضحك بقلوبٍ مفتوحة، ونحزن ثم ننهض سريعًا، دون أن نترك خلفنا هذا الكمّ من الكسور الصامتة.

الماضي لا يؤلم لأنه رحل،

بل لأنه ما زال يسكننا…

في التفاصيل الصغيرة، في الأغاني التي تعيدنا فجأة،

في أماكن لم نعد نزورها لكنّها ما زالت تزورنا كل ليلة.

أما الحاضر…

فهو أكثر قسوة لأنه واضح.

لا يَعِدُ بشيء، ولا يترك لنا مساحة للهرب.

نقف فيه بوجوهٍ متعبة، نحمل آثار كل ما مرّ،

نحاول أن نبدو بخير، بينما داخلنا حكايات لم تجد من يسمعها.

في الحاضر نتقن الصمت،

نتعلم كيف نبتسم دون سبب،

وكيف نكتم الخيبة حتى لا تُثقل أحدًا غيرنا.

لم نعد نطلب كثيرًا، فقط نطلب أن يمرّ اليوم بسلام،

أن لا نخسر أكثر، أن لا نتفاجأ بوجعٍ جديد.

أقسى ما في الحاضر

أنك تدرك حجم ما تغيّر،

أن ترى نفسك مختلفًا، لا أسوأ بالضرورة،

لكن أكثر حذرًا، أقل ثقة، وأكثر وحدة.

نحن لسنا نادمين على الماضي،

نحن فقط نشتاق لتلك النسخة منّا

التي لم تكن تعرف كم سيكلّفها النضج،

ولا كم من الصبر ستحتاج لتبقى واقفة.

بين الماضي والحاضر مسافة اسمها “الخذلان”،

قطعناها دون أن نشعر،

وخسرنا في الطريق أشياء كثيرة:

أشخاص، أحلام، وحتى أنفسنا القديمة.

ومع ذلك…

نستمر.

ليس لأننا أقوياء،

بل لأن التوقّف لم يعد خيارًا.