بقلم: يحيى القطب
قبل أيام كتبت على صفحتي خاطرتين؛
إحداهما عن شيخٍ عجوز يعزف الناي في الطريق، وقد أثقل الدمع عينيه، كأنَّ الناي نفسه ينتحب بين يديه.
والأخرى عن طفلة صغيرة تقف بين السيارات تبيع الحلوى من أجل بضعة جنيهات، تحمل في يدها ما لا تأكله، وتخفي في قلبها جوعًا أكبر من عمرها.
لم أكتب عنهما لأنهما حادثتان نادرتان، بل لأنهما – للأسف – صورة تتكرر في شوارعنا كل يوم.
فكم طفلًا يجب أن يقف في الطريق بين السيارات؟ وكم شيخًا يجب أن يبكي على الرصيف؟
طفلٌ لم يعرف بعد معنى الطفولة، وشيخٌ انتهى به العمر على الرصيف.
لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في المشهد وحده، بل في المعضلة الأخلاقية التي يعيشها كل من يراه.
العقل يقول: لا نعطيهم المال، فكثير منهم – كما نسمع ونرى – تقف خلفهم شبكات منظمة تستغل الأطفال وكبار السن، وتحول ضعفهم إلى تجارة تدر الأرباح على قلوبٍ لا تعرف الرحمة.
والقلب يقول: كيف تمر بطفل جائع أو شيخ مكسور دون أن تمد يدك؟ ماذا سيكون مصير طفل يقف في الطريق منذ الصباح حتى المساء؟
وماذا ينتظر شيخًا أنهكه العمر ولم يعد قادرًا على العمل؟
هل سيعودون إلى بيوتٍ آمنة؟ أم سيزدادون انكسارًا حتى يصبحوا فريسة لكل من يريد استغلالهم؟
ولو صدق الظن أن ورائهما شبكة ٱجرامية… فهل تظن أن تلك العصابة إن لم تجد منهما نفعًا سترحم إيًا منهما!؟ أم سيتحولان في الحال لقطع غيار بشرية؟!!
هكذا يقف الإنسان بين صوتين متناقضين: إن أعطيتَ المال، خفتَ أن تكون قد ساهمت في استمرار الاستغلال.
وإن امتنعتَ، خفتَ أن تكون قد تركت إنسانًا ضعيفًا يواجه الجوع والبرد وسوء المصير وحده.
إن ترك هؤلاء الضعفاء في الشوارع دون حماية حقيقية، لن يصنع هذا مأساة فردية فقط، بل يفتح أبوابًا مظلمة قد تقود إلى ما هو أسوأ بكثير.
فحين يُترك الطفل بلا حماية، وبلا تعليم، وبلا رعاية، فإنه يصبح – شاء أم أبى – مادة سهلة للاستغلال الإجرامي…
ولا أظن أنَّ أحدًا منَّا يريد أن تُقام على أرضه “إبستين” جديدة…
ولهذا فإن المشكلة لا ينبغي أن تُترك لضمير المارة وحدهم، فلا يجوز أن يصبح إنقاذ طفل من الجوع أو الاستغلال مسألة يقررها عابر طريق.
الأطفال مكانهم الطبيعي هو المدرسة، لا إشارات المرور، وكبار السن مكانهم الكرامة والرعاية، لا الأرصفة والطرقات.
ولهذا فإنَّ الحل الحقيقي يكمُن في تحرك جاد من الدولة والمجتمع معًا.
نحن بحاجة إلى إنقاذ الأطفال من الشوارع وإعادتهم إلى التعليم والرعاية، وتفكيك الشبكات التي تستغلهم وتعاقب من يتاجر بضعفهم.
كما نحتاج إلى توفير دور رعاية حقيقية لكبار السن الذين لا عائل لهم، وإنشاء منظومة واضحة تحت رقابة صارمة من الدولة، تجعل مساعدة المحتاجين تمر عبر قنوات آمنة لا عبر استغلالهم في الطرقات.
فبهذا وحده يمكن أن نرفع الحرج عن قلب الإنسان الذي يريد أن يرحم، وعن عقل الإنسان الذي يخشى أن يشارك في جريمة دون أن يدري.
إن المجتمع الذي يترك أطفاله في الشوارع يترك بابًا مفتوحًا لكل شر.
والمجتمع الذي يترك شيوخه على الأرصفة يفقد شيئًا من إنسانيته.
لقد حان وقت التدخل… قبل أن تتفاقم المأساة أكثر.






المزيد
الزواج المبكر: حين يدفع الأبناء ثمن طفولة لم تكتمل
الموسيقى الهادئة: مفتاحك السحري للسكينة وسط ضجيج الحياة
هوارة… قبيلة العزّ الممتدّ في جذور الصعيد/بقلم /سعاد الصادق