مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

“بين الوهم والحقيقة” 

Img 20250414 Wa0065

كتبت داليا_موسى 

أقف أمام المرآة. يبدو وجهي شاحبًا، وكأن الحياة قد تلاشت من ملامحي. عيناي غارقتان في الظلام، وقد نُزع منهما البريق الذي لطالما أضفى عليهما حياة. تتساقط الدموع على وجنتيَّ كما يهطل المطر في ليالي الشتاء القاسية. ما الذي فعلتُه لأستحق هذا الألم؟ الخذلان الذي تعرضت له لم يكن مجرد طعنة، بل كان قاتلًا، ينهش روحي بلا رحمة.

 

في لحظة انفعال، أصرخ، وأهوى بقبضتي على المرآة، فتتحطم إلى شظايا متناثرة، تمتزج بدمائي التي تنساب من يديّ المرتعشتين. ثم يغلبني الإعياء، ويبتلعني الظلام.

 

عندما أفتح عينيّ مجددًا، أجد نفسي مكبلة اليدين والرجلين داخل غرفة ضيقة، يلفها السواد. أصوات الطيور تتردد من بعيد، لكن لا حياة هنا، لا شيء سوى برودة المكان وصمته القاتل. كنت معصوبة العينين، لكنني شعرت أنني حتى لو أزحت القماش، لن أرَ شيئًا سوى الظلام.

 

كيف وصلت إلى هنا؟ قبل لحظات كنت في غرفتي، أمام المرآة! أهذا كابوس أم حقيقة لا أستطيع الفرار منها؟

 

يقطع أفكاري شعور غريب، شيء ما يستقر على كتفي، تصدر منه أصوات غير مألوفة، أقرب إلى همسات مرعبة تتلاشى في الهواء. رعشة باردة تسري في أوصالي، ودقات قلبي تتسارع، تضج في أذني كطبول حرب تقترب.

 

فجأة، أشعر بجناحي طائر يرفرف بجانبي، ثم يتوقف فوق وجهي. أنفاسي متقطعة، وأكاد أسمع صدى رعبي يتردد في هذا الفراغ. في الوقت نفسه، هناك شيء آخر، حركة خفيفة على الأرض، كأن الفئران تتسابق في هذا المكان الكئيب. شعرت بلدغة حادة في قدمي، ارتجفتُ، فمن الذي جردني من حذائي؟

 

حاولت التحرر من القيود، لكنني لم أستطع. كانت كل محاولة تزيد من يأسي، حتى جاء الطائر وأزال القماش عن عينيّ بمنقاره، ليكشف عن غرفة فارغة تمامًا. لا شيء هنا سوى كرسي خشبي أجبرتُ على الجلوس عليه، ونوافذ مغلقة يتسلل منها ضوء خافت، كأنه بقايا نور عالق بين عالميْن.

 

مر الوقت، وصار الطائر رفيقي الوحيد. لم يكن هناك سواي وسواه، والفئران التي تتجول بين الجدران في صمت. أغلقت عيني، ولم أستطع حبس الدموع التي انسابت بلا إرادة. الساعات تمضي ولا جديد، حتى جاء الليل…

 

وعند أول خيط من الظلام، وجدت نفسي فجأة أمام باب غرفتي، ممددة على الأرض كما كنت قبل أن يغشى عليّ. كيف عدت؟ أكان ما حدث مجرد حلم؟ أم أنني لم أستيقظ بعد؟

 

نهضت مترنحة، أجر قدمي إلى الحمام. علّ الماء البارد يطهرني من هذا الرعب الذي التصق بروحي. لكن حين أويت إلى فراشي، كان الفزع ما زال يحيط بي كأطياف لا تهدأ. وما إن أغمضت عيني، حتى وجدت نفسي مجددًا في تلك الغرفة المظلمة.

 

عند الفجر، تحررتُ أخيرًا من القيود. لم تكن يداي مكبلتين هذه المرة. حاولت فتح النافذة، لكنها لم تستجب لي. أعدت المحاولة مرارًا، حتى انفتحَت أخيرًا، وأسرعت بالخروج، لا ألوي على شيء. لم أكن وحدي، فقد كان الطائر يرفرف بجانبي، والفئران تندفع معي في هذا الهروب الجنوني.

 

لكن إلى أين؟ وهل هذا هو الخلاص، أم مجرد بداية لكابوس آخر؟

 

 

بعد هروبي من الغرفة المظلمة، لم يكن هناك طريق واضح أمامي، فقط ممر طويل يغمره الضباب، وأصوات هامسة تتردد من العدم. الطائر لا يزال يحلق بجانبي، والفئران تتبع خطواتي كما لو كانت تعرف وجهتها.

 

ركضتُ بلا توقف، حتى بدأت معالم المكان تتغير. لم تعد الجدران متشققة، ولم يعد الهواء خانقًا، بل بدأت أرى ضوءًا خافتًا في الأفق. هل وصلت إلى النهاية؟ أم أنني مجرد رهينة لوهم آخر؟

 

حين اقتربتُ، وجدت نفسي أمام مرآة كبيرة، مشابهة تمامًا لتلك التي كسرتها. لكنني لم أجد انعكاسي فيها، بل رأيت نفسي مقيدة، جالسة على الكرسي ذاته، كما كنت من قبل.

 

صرختُ، لكن صوتي لم يخرج. مددتُ يديّ للمس الزجاج، فإذا بيدي الأخرى داخل المرآة تحاول أن تمسكني من الداخل! كنتُ هناك… وما زلتُ هنا.

 

الطائر نقر الزجاج بقوة، ثم بدأ يتلاشى… تبعته الفئران، واحدة تلو الأخرى، حتى لم يبقَ شيء سوى أنا… وانعكاسي المحاصر.

 

الظلام زحف مجددًا، وابتلع كل شيء.

 

 

—وفي تلك اللحظة، أدركت أنني من حبستُ نفسي. وأن القيود التي قيدتني لم تكن حقيقية… بل أوهام صنعتها وحدي