مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

“بيارة الموت”

Img 20250103 Wa0012

كتبت: سهيلة أحمد عامر 

في قلب ريف المنوفية، كانت القرية تنبض بالحياة. شبّانها الذين لم يتجاوزوا الثلاثين من أعمارهم، كانوا يحملون في عيونهم بريقًا من الطموح، يبحثون عن رزقٍ شريف، يأملون أن تنقلب حياتهم من الهموم إلى الأمل. كان “محمد” و”جمال” و”رأفت” و”محمد” الآخر، أربعة شباب تآلفت قلوبهم على الرغم من اختلاف شخصياتهم. كانوا يعرفون بعضهم منذ الطفولة، واشتغلوا سويًا في كل شيء، من الزراعة إلى الأعمال اليومية التي لا تحصى.

 

في صباح ذلك اليوم المشؤوم، تجمعوا معًا في الساحة الصغيرة، يخططون ليوم آخر من العمل في تنظيف بيارة الصرف الصحي. كانت تلك البيارة التي طالما حملت لهم الرزق، رغم أنها كانت مصدرًا للخوف والتعب حيث كانوا يتعاملون مع الأوساخ والغازات السامة في الأعماق؛ لكنهم كانوا لا يملكون خيارًا آخر، فالحياة لا تعطيهم شيئًا دون أن تأخذ منهم الكثير.

 

قال “محمد” الأكبر، وهو يضع يده على رأسه في محاولة لتهدئة قلقه: “يا جماعة، خلاص، لازم نخلص بسرعة، كل واحد فينا عنده حلم لازم يحققه. ده رزقنا اليوم، ونخلصه بكرة”. كانت تلك الكلمات مجرد كلمات محفزة، لكنه لم يكن يعرف أنه كان يقولها في لحظة وداع.

 

بينما كانوا يعملون في عمق البيارة، بدأت الرائحة تتحول إلى شيء أقوى من مجرد روائح الصرف. كانت الغازات السامة التي تملأ المكان كأنها مخلب الموت، يتسربون إليها ببطء دون أن يعرفوا عواقبها. لم يشعروا بالأمر في البداية، لكن شيئًا فشيئًا بدأت الأنفاس تتعثر. لم يعد بإمكانهم التنفس بحرية، وكأن كل نفس كانوا يلتقطونه كان يُسحب منهم، ويمزق داخلهم.

 

“يلا، بسرعة!” صرخ “جمال”، وهو يحاول أن يسحب نفسه إلى الخارج، لكن جسده بدأ يفقد القدرة على الحركة. وتبعته الأنفاس الصعبة لأصدقائه؛ كان الوعي يتلاشى، وعيونهم التي كانت مليئة بالأمل، امتلأت بظلال الفزع.

 

ومع ذلك، لم يكن أحد منهم قادرًا على النجاة.

 

عندما اكتشف أهالي القرية الحادث، جاءوا يركضون؛ لكنهم وصلوا متأخرين، كانت الأرض التي حفروا فيها قد ابتلعتهم جميعًا. هناك في قاع البيارة، فارقوا الحياة وهم يسعون وراء لقمة عيشهم؛ لكن في قلب كل واحد منهم، كان هناك حلم يعيش معهم، حلمًا صغيرًا قد يبدو تافهًا للبعض؛ لكنه بالنسبة لهم كان كل شيء.

 

شيعت القرية جثامينهم في صمتٍ رهيب، لم يكن هناك سوى البكاء والشعور بالفقد في جنازاتهم، كان الجميع يعرفون أن هؤلاء الشباب؛ كانوا يجسدون الأمل في وجه المعاناة، كانوا يطاردون رزقًا شريفًا، ويحلمون بمستقبل أفضل؛ لكنهم لم يعرفوا أن سعادتهم ستكون ثمنًا للحياة.

 

وفي لحظةٍ من لحظات الحزن العميق، اجتمع أهل القرية، وكانوا يشاهدون السماء التي كانت تبكي معهم شعروا وكأن الموت أخذ منهم أكثر مما كانوا مستعدين لفقدانه، ولكن في ذات الوقت، شعروا بشيء من التقدير لأولئك الشباب الذين رحلوا. فقد كانوا يعلمون في أعماقهم أنهم عاشوا من أجل شيء أكبر، وقدموا تضحية غير مرئية لأجل غيرهم.

 

كانت بيارة الصرف الصحي، التي كانت يومًا ما مصدر رزقهم، قد تحولت إلى مكانٍ يختبئ فيه الألم؛ لكن ذكراهم أصبحت أملًا في قلب كل من عرفهم، كانوا أربع قلوب تعلّقت بالأمل في يومٍ من الأيام، وها هم اليوم يصنعون ذكريات لن تُنسى، تحمل رسالتهم: “إن الحياة لا تُقاس بعدد الأيام، بل بما تحقق فيها من أحلام”.

 

 

𝓦𝓡 𝓗𝓪𝓲𝓵𝓪

#إبداعات -سهيلة- الأدبية.