بليز ، لا مزيد من الأحلام
بقلم : سيّدة مالك
.
.
نقرتُ بأصابعي على النجوم ، وجلستُ لأُفكِّر وأُرتِّب هندامي .
كنتُ ، و لأول مرّة ، أسألُ نفسي : ما الذي سأقولهُ لو فتح شخصٌ ما الباب ؟ شخصٌ أبيض وبشرتهُ باهتة ، أصابِعهُ مُتعرّجة ، شاردُ الذِّهن ومصابٌ بالأنيميا.
فكّرتُ في شيءٍ مجنون ، هل ينفع أن تتمدّد يدي لتصافِحهُ ، دون أن أحتضنهُ ؟
هل كان من سبيلٍ لطرد الأشباح في الهواء ، وإيجادِ طريقٍ للجنّة الآن ؟
قُلتُ بصوتٍ مرتفع : إذا فتح لي رجلٌ رشيدٌ هذا البابَ الخشبيّ المُعتَّق ، فلن أنجو من خُبث اللحظة ، واصطدام العيون ، ولن أنجو من تساقط الثلج هنا ، في أعلى قلبي ، ولن ينجو هو من الآثام.
ثم قلتُ مُجددًا : ماذا لو لم يأتِ شخصٌ جادٌّ إليّ ، وجاء طفلٌ لينال شرفَ الرؤية ؟ هل كنتُ لأقول لهُ أنّي سقطتُ من حكايةٍ أو من حصانٍ ؟
أو أنَّ لي قردًا كان يظنُّ أني والدهُ ، حتى ظننتُ أن لي ابنًا في هذه الحياة البعيدة ، وصرتُ أغسلهُ بالصابون حتى أزيل العفن عن جلدهِ ، ووقعتُ في الحُب آنذاك .
لعلّي لن أصل إلى هذه النقطة مع طفلٍ ساذجٍ .
لكن ، بالتأكيد ، سأشرحُ لهُ أنني قتلتُ الكثير من المخلوقات ، وآثرتُ النملَ على البطريق في نهاية اليوم .
وأنّي بُعثتُ حيًّا ، وأنَّ الدليل على كوني حيًّا أنّي هنا ، أنقرُ على النجوم نقرًا يُجنِّبها السقوط ويُجنَّبُني البكاء .
لا ، لا ، لن أفعل هذا كلَّه .
لكنّي ، بالتأكيد ، لن أكون ساذجًا حتّى أفوّت أن أحكي لوالدِ الطفل الذي سيفتح الباب ، أنَّ العائلة كانت تهربُ من تقاسيمِ وجهي ، وأنَّ الشريان في صدغي صار أملسَ للغاية ، فوددتُ لو أنتزعهُ وأعيدُ تشكيلهُ .
كان سيُحدِّقُ مذهولًا ، ولن يذهب إلى السيرك في ذلك اليوم ، لأنّي سأروي لهُ قصصًا عجيبة ، عن أطفالٍ بعيونٍ واسعة ، وعن قريةِ الأمراضِ النادرة .
لو أنّ أحدهم لم يفتح الباب ، فإنّي سأموت هنا من الصمت ، وصوت الهواء .
ثمّ جاء رجلٌ صالح ، وقال : أذهب إلى النوم يا بُني ، فإنك بذلك تتجنّب بطش هذا اليوم ، وأطلِقِ العنانَ لعقلك .
ولما نفَّذتُ ما أمرني بهِ ، و رحت أنام ، تخلّيتُ _ دون قصد _ عن الزَّبد من فمي ، فسقط على حذائي .
وكان أحدهم _ أحدَ الرجالِ الطيبين ، لكن ليس الذي نصحني بالنوم _ ضربني على رأسي ، كمن يضربُ بابًا ، وقال :
” أنا هنا من أجلكَ . من أنتَ ؟ ”
ولكنّي ، بدلًا من أن أقول ما تدرّبتُ على قولهِ ، قبل أن أنام ، ركضتُ بعيدًا عنه ، وقلتُ عنه : ” عجوزٌ مجنون !” ، وأنّني شخصٌ حالم ، ولي عينانِ تفيضانِ من الدّمع ، آه ، يا لَما بهما من شَجَنٍ وآثامٍ دنتْ دُنُوَهَا .
وأنَّ حُلمي طَرَقَ الأشياءَ المُحرَّمة ، الأشياءَ البعيدة ، التي تجلبُ
التعاسةَ إلى غُرَفِنا وسمائِنا ، وأجسادِنا التي تُغطِّينا .






المزيد
ارتباك بقلم دينا مصطفي محمد
حين تتشقق المرايا داخلنا ونكتشف أننا نحمل أكثر من وجه ولا نعرف أيّهم نحن حقًا بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر
الفصل الخامس عشر: النهاية – متأخر… لكن ليس انتهى بقلم الكاتب هانى الميهى