مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بروكرُست ليس رجلا

Img 20250216 Wa0045

كتبت منال ربيعي

وقفَ بروكرُست أمامي، لم يكن رجلاً بل كان فكرةً، نظامًا، مجتمعًا بأسره. نظرَ إليَّ بعينَيْ قاضٍ، وقال بصوتٍ بارد: “تمدّدي.”

 

نظرتُ إلى السرير الحديديّ خلفه، كان يلمعُ كخنجرٍ في العتمة. عرفتُ قوانينه جيدًا: إنْ كنتُ أطولَ منه، بتروني، وإنْ كنتُ أقصرَ، مزَّقوني حتى أبلغَ القياسَ المناسب. لا خيارَ ثالثًا، لا مجالَ لأنْ أكونَ كما أنا.

 

جلستُ عند الحافَّة، أصابعي تتحسَّسُ الحديدَ البارد. أغمضتُ عينيَّ للحظةٍ، رأيتُ طفولتي، سمعتُ صوتَ أبي يقولُ بحزم: “لا تضحكي بصوتٍ عالٍ، البناتُ المهذَّباتُ لا يفعلنَ ذلك.” ثمَّ صوتَ أستاذي: “أحسنتِ، لكنْ لا تتفوَّقي كثيرًا، الناسُ لا تحبُّ المتباهين.” ثمَّ صديقتي التي همستْ يومًا: “لو كنتِ أقلَّ جرأةً، لأحبَّكِ الجميع.”

 

كلُّهم مدُّوني أو قطعوني بما يناسبُ مقاساتِهم. أحيانًا كانوا يبتسمونَ وهم يفعلون، يظنُّون أنَّهم يُحسنون إليَّ، أنَّهم يُصلحونني كي لا أكونَ شاذَّةً عن السرب.

 

فتحتُ عينيَّ ونظرتُ إلى بروكرُست. كان ينتظرُ.

 

“لا.” قلتها بهدوء، لكنها دوَّت في داخلي كعاصفة.

 

قطَّب حاجبيه. بدا مأخوذًا برفضي. لم يكن معتادًا على الاختيار الآخر، على من يقفُ في وجهِ المعيارنهضتُ ببطءٍ، كمن يكتشفُ فجأةً أنَّ لديهِ جناحين. كانَ الحديدُ يصدرُ صريرًا مكتومًا، أشبهَ بأنينٍ قديمٍ، وكأنَّهُ يشكو تمرُّدي. تقدَّمتُ خطوةً نحو بروكرُست، ولاحظتُ أنَّ عينَيهِ لم تعودا ثابتتَين، كأنَّ رياحًا خفيَّةً هزَّت ثقته.

 

خلفهُ، السريرُ الحديديُّ ما زال يلمعُ في العتمة، لكنِّي هذه المرَّة لم أرَهُ كفخٍّ مُرعب، بل كرمزٍ لنظامٍ يحاولُ صهرَنا في قوالبَ محدَّدةٍ سلفًا. أدركتُ أنَّني لستُ وحدي من مرَّتْ على هذا السرير، بل كثيرونَ قبلي امتثلوا له، فصاروا نسخًا مكرَّرةً دونَ ملامح.

 

تسلَّلت إلى ذهني ذكرى يومٍ رفضتُ فيه أنْ أرتدي ثوبًا تقليديًّا ظنَّ الجميعُ أنَّهُ يناسبني. يومها عوملتُ كأنَّني خرجتُ عن المألوفِ بلا سبب. وفجأةً، عادَ صوتُ أمِّي: “افعلي ما يريدون؛ كي لا تتعبي.” كنتُ أرى في عينيها خوفًا عليَّ، لكنَّهُ في الوقتِ نفسه كانَ خوفًا من العالمِ، من بروكرُست الكامن في كلِّ مكان.

 

رفعتُ بصري مجدَّدًا إلى ذلك الوجه الذي لمحتُ فيه ملامحَ معارفي جميعًا: الأهل، الأصدقاء، المعلِّمين، وحتى الغرباء الذين يحدِّقونَ فينا بنظراتِ الحكم. بدا بروكرُست متردِّدًا، كأنَّهُ يفكِّرُ في قوَّةِ هذا “اللا” التي نطقتُها.

 

مدَّ يدَهُ بتثاقلٍ، يريدُ دفعي مجدَّدًا إلى السرير. لكنِّي تنفَّستُ عميقًا، شعرتُ بنبضِ قلبي يتسارع، فانتفضتُ من الداخلِ كما لو أنَّ شرارةَ حياةٍ اشتعلتْ في عروقي.

 

“كفى.” نطقتُها بصوتٍ أكثرَ صلابةً ممَّا توقَّعت.

 

كأنَّ الجدرانَ من حولي اهتزَّت، وكأنَّ الظلامَ تراجعَ قليلاً. لم يكن في الأمرِ بطولةٌ خارقة، بل كانَ وعيًا بسيطًا بأنَّني أملكُ حُرِّيتي، وإنْ كانَ الثمنُ أنْ أُنبَذَ، أنْ أُتَّهمَ بالغرور، أو بالعصيان.

 

استدرتُ، وتركتُ بروكرُست واقفًا خلفي. سمعتُهُ يصرخُ أو يتنهَّدُ، لا أدري. ما أدركتُهُ هو أنَّني حينما غادرتُ، بدا العالمُ أوسعَ، وأصبحتُ أنا أقدرَ على حملِ أحلامي، دونَ أن أختصرَها أو أُطيلَها لتُناسبَ سريرًا حديديًّا لم أخترْهُ يومًا.