لِــــسُهيلة أحمد عامر
اليوم، أنا معلم اللغة العربية في مدرستي القديمة، تلك التي كنت فيها طالبًا ذات يوم. وقفت أمام الطلاب، أتأملهم بعين المربي الذي كان يومًا في مقاعدهم. وبينهم، لفت نظري ولد يجلس في زاويته بصمت، في عينيه بريق حزن مألوف، شعرتُ وكأني أراه دون أن ينطق، وكأن ألمه انعكس في داخلي. للحظة، وجدت نفسي أعود بذاكرتي إلى ذلك اليوم الذي لم أنسَه أبدًا…
“جدتي، اليوم كنتُ في حصة اللغة العربية، سألني المعلم عن سبب غيابي في الحصة الماضية، وقفتُ أمامه وأمام زملائي، ثم نطقتُ بالكلمات التي كسرتني: ’توفي أبي.‘ شعرتُ بالحروف تخرج مني كجرح مفتوح، ولم أدرِ كيف غلبتني الدموع. كنت أظن أنني تجاوزت الألم، وأنني سأكون قويًا، فأنا ابن رجل، ولكن في تلك اللحظة، أدركت أنني لست إلا طفلًا مكسورًا، أجلس بين زملائي الذين يتلقون درسًا عاديًا، بينما أنا غارق في لحظة لن تُنسى.”
عدتُ إلى الحاضر، وأنا أقف أمام ذلك الطفل. رأيتُ نفسي فيه، رأيتُ نظرتي القديمة، وألمي الذي لم يُمحَ رغم السنوات. تقدمت نحوه، توقفت أمامه، ثم سألته بهدوء:
— لماذا تصمت؟
رفع عينيه إليّ، وفي صوته ارتجافة أعرفها جيدًا. لم يجب فورًا، لكنه نطق بالماضي الذي يُشبه حاضره. أدركت حينها أن بعض الآلام لا تُنسى، بل تنتقل، تبحث عن من يراها ويفهمها، حتى وإن كان مجرد معلم يقف أمام طالب، يرى في عينيه انعكاس نفسه القديمة.
لِــــسُهيلة أحمد عامر.






المزيد
وقبل نهاية الرحلة بقلم سها مراد
حين تتحدث الأخلاق عن أصحابهابقلم علياء العشري
الرحيل المحتوم بقلم إسراء حسن عبدالله