مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

بحثًا عن مرسى مجهول

Img 20250506 Wa0048

 

كتبت مريم جمال

 

في صميم الوجود، حيث تتشابك خيوط الزمان والمكان، وتتعالى همسات الروح في سكون اللحظات العابرة، يداهمني شعور

 مبهم، كطيف حلم لم يكتمل، أو نداء خفي يتردد في أروقة الذاكرة البعيدة. إنه ليس ألمًا جارحًا ولا فرحًا مستبشرًا، بل سيمفونية صامتة تعزف على أوتار القلب لحنًا غريبًا، يلامس شغاف الروح دون أن يفصح عن كنهه.

كأن الوجدان يستنطق صمت الأثير، يستجدي إشارة من عالم آخر، أو يتوق إلى مرسى لم تطأه قدماه بعد. إنه إحساس بالاغتراب الروحي، كأن جزءًا أصيلًا مني انفصل عن كياني، يحوم في فضاءات مجهولة، يرسل موجات من الشوق الخافت الذي يستعصي على التعبير اللغوي.

أتأمل تقاسيم الوجوه الشاردة، وأسترق السمع إلى أنين الرياح العابثة، وأتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية بحثًا عن ومضة إلهام، عن بصيص نور يكشف لي سر هذا الإحساس العميق. هل هو ارتداد لصدى ماضٍ دفين؟ أم استشراف لغدٍ لم تُكشف أستاره؟

ربما هو تجلٍ لقانون الروح المتغيرة، تلك القدرة الساحرة على تذوق ألوان من المشاعر عصية على التصنيف، تتجاوز ثنائية الفرح والحزن. إنه ذلك الفراغ المقدس الذي يفسح المجال للتأمل العميق، لاستقبال إشارات الكون الخفية، للترحيب باللامتوقع الذي يكمن وراء حجاب الواقع المادي.

في هذا الغموض البديع، تتوارى قوة كامنة تدفع بالذات نحو مدارج الاستكشاف الوجودي، نحو مساءلة الذات والكون، نحو سبر أغوار الروح وما يحيط بها من أسرار. إنه تذكير بأن الحياة ليست مجرد تتابع خطي للأحداث المادية، بل هي أيضًا نسيج معقد من العواطف والأحاسيس التي تتسامى فوق حدود اللغة.

ومع انقضاء اللحظات، قد يتلاشى هذا الشعور العابر كما انبثق فجأة، تاركًا وراءه أثرًا شفيفًا، كأن رؤيا سريالية داعبت الوعي ثم اضمحلت. لكن في تلك التجربة الفريدة، يترسخ اليقين بأن ثمة عوالم داخلية وخارجية تنتظر من يستنطق صمتها، ويكتشف كنوزها الدفينة.