كتبت: إيمان يوسف احمد
ليان جلست في غرفتها تبكي بصمت، دموعها تنساب كأنها تخشى أن يسمعها أحد.
شعرت أن أبواب الحياة كلها تُغلق أمامها.
لكن بداخلها، كان هناك صوت خافت يقول: “لا تستسلمي.”
تذكرت عيني آدم، وكيف كان يراها كما لم يرها أحد.
مسحت دموعها سريعًا، كأنها تستمد قوته من ذكره.
في صباح اليوم التالي، ذهبت للجامعة وهي تحاول أن تبدو قوية.
وحين رآها آدم، شعر أن بداخلها عاصفة تخفيها.
اقترب منها وهمس: “لو أردتِ، أنا هنا لأسمعك.”
لكنها اكتفت بابتسامة قصيرة.
ابتسامة كانت تحمل كل ما عجز لسانها عن قوله.
(6)
مع مرور الأيام، صارت لقاءاتها بآدم متكررة.
لم يكن حبًا معلنًا، بل كان شيئًا يتشكل بصمت بين نظراتهما.
نهى كانت أكثر من يفهم مشاعرها، وتدفعها لأن تثق بالحياة.
قالت لها: “القدر مش دايمًا قاسي، يمكن ربنا بعتلك آدم عشان ينقذك.”
لكن الخوف لم يترك قلب ليان يومًا.
كانت تشعر أن السعادة بالنسبة لها مجرد عابر طريق.
وفي أعماقها، ظل صوت أبيها يطاردها: “لن تكوني يومًا حرة.”
وفي تلك الليلة، كتبت في دفترها:
“أخشى أن أضيّع آدم كما ضيّعت أمي.”
وكانت تلك أول مرة تعترف بخوفها لنفسها.
(7)
في إحدى الأمسيات، جلس آدم وليان معًا في المكتبة.
أخرج كتابًا، وقال مبتسمًا: “كل قصة حب عظيمة تبدأ من كلمة.”
لم تستطع إلا أن تضحك بخجل، ضحكة كسرت جدار صمتها للحظة.
اقترب منها قليلًا، وهمس: “أريد أن أكون الكلمة الأولى في قصتك.”
ارتعش قلبها، وشعرت أنها على حافة الاعتراف.
لكنها تذكرت تهديد والدها، فتراجعت إلى الوراء.
قالت له بصوت مرتجف: “أنا ما أقدرش…”
نظر إليها بحنان، ولم يُكمل.
فهو يعرف أن ما بداخلها أكبر من أن يُقال.
واكتفى بأن يترك صمته يحتضن صمتها.
(8)
ذات يوم، عاد سليم إلى البيت غاضبًا أكثر من أي وقت مضى.
ألقى هاتفها على الطاولة وصاح: “بتكلمي مين بالجامعة؟!”
ارتجفت ليان، شعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها.
صرخ مجددًا: “هتضيّعيني بفضيحتك، زي ما أمك ضيعتني!”
كلماته أصابت قلبها كطعنة مسمومة.
لأول مرة، فكرت أن ترد.
لكنها خافت أن يكون ردها ثمنه غاليًا.
دخلت غرفتها، أغلقت الباب، وانهارت باكية.
وفي لحظة ألمها، جاءتها رسالة من آدم:
“مهما صار، أنا مش هسيبك.”
(9)
كلماته كانت كالبلسم على جرحها النازف.
شعرت أن هناك من يرى ضعفها ولا يلومها.
كتبت له بخوف: “أنا حاسة إني غرقانة في بحر ما لهوش آخر.”
أجابها: “أنا هكون قارب النجاة.”
ابتسمت بين دموعها، لأول مرة شعرت أن الحياة قد تمنحها فرصة.
لكنها عرفت أن طريقهما لن يكون سهلًا.
فأبوها لن يقبل، والماضي يطاردها كظلٍ لا يختفي.
ومع ذلك، وجدت نفسها تتعلق به أكثر.
كأن حبها له هو الشيء الوحيد الذي يبقيها على قيد الحياة.
وكانت لا تدري أن العاصفة لم تبدأ بعد.
(10)
في اليوم التالي، أخبرت نهى بما حدث.
نهى أمسكت يدها قائلة: “خليكي قوية، الحب مش جريمة.”
لكن ليان همست: “عندي إحساس إني هدفع الثمن.”
وعندما التقت آدم مجددًا، نظرت في عينيه طويلًا.
قال لها بصدق: “أنا مش خايف من أي حاجة، إلا إني أخسرك.”
ارتعش قلبها، ودمعة وحيدة انزلقت على خدها.
مد يده ليمسحها، لكنها تراجعت سريعًا.
خافت أن تفسد تلك اللحظة الصغيرة بالجرأة.
لكنه قرأ في عينيها ما لم تستطع قوله.
فابتسم كأنه فهم كل شيء.
(11)
مرت الأيام بين لقاءات سرية ورسائل قصيرة.
كانت تكتب في دفترها كل ليلة: “آدم هو صوتي الذي لم أنطق به يومًا.”
أما هو، فكان يزداد تعلقًا بها حتى الإدمان.
لكن سليم كان يزداد قسوة، كأنه يشم رائحة سر تخفيه.
وفي إحدى الليالي، سمعت ليان حديثه مع أحد الرجال.
قال بصوت غامض: “البنت دي مش هتعرف الحقيقة أبدًا.”
ارتجف قلبها، لم تفهم ما يقصده.
لكنها أدركت أن هناك سرًا يطاردها منذ طفولتها.
سر قد يغيّر كل شيء إن عرفت به.
وكان ذلك بداية الخوف الحقيقي.
(12)
في اليوم التالي، جلست مع آدم في مكان هادئ.
ترددت طويلًا قبل أن تقول: “أنا حاسة إن أبويا مخبي حاجة كبيرة.”
سألها بقلق: “إيه هي؟”
هزت رأسها: “مش عارفة… بس كلامه بيرعبني.”
شد على يدها وقال: “لو في سر، هانكشفه سوا.”
ابتسمت رغم قلقها، لكنها كانت تدرك أن الطريق مظلم.
أحيانًا، كانت تشعر أن حياتها كتاب ناقص الصفحات.
وأنها تائهة بين جملة وأخرى تبحث عن المعنى.
لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا فقط.
أن آدم هو الصفحة الأجمل التي وجدتها يومًا.
(13)
في إحدى الليالي، سمعت طرقًا خفيفًا على نافذتها.
فتحت الستار، فوجدت آدم واقفًا في الحديقة، يلوّح لها.
ترددت لحظة، ثم نزلت بخطوات مرتجفة.
وقف أمامها مبتسمًا، وهمس: “ما قدرتش أستحمل أبعد عنك.”
شعرت أن قلبها سيتوقف من شدة الخوف والفرح.
جلسا معًا يتبادلان نظرات أكثر من الكلمات.
قالت له: “أنا خايفة يا آدم… خايفة من بكرة.”
فأجابها: “إحنا اللي هنصنع بكرة، مش أبوكي ولا الماضي.”
كلماته اخترقت قلبها كضوء في العتمة.
لكنها لم تكن تعلم أن الليل يخفي وراءه خيانة أكبر.
(14)
بينما كانت تهمّ بالعودة لغرفتها، رأت ظلًا يختبئ بعيدًا.
تجمدت في مكانها، شعرت أن هناك من يراقبها.
لكن آدم لم يلاحظ، فقد كان منشغلًا بعينيها.
في اليوم التالي، واجهها سليم بوجه غاضب:
“إياكي تفكري تخدعيني… أنا عارف كل حاجة.”
ارتبكت، حاولت أن تنكر، لكنه صفعها بقسوة.
سقطت دمعتها على الأرض، لكنها لم تصرخ.
في تلك اللحظة، أدركت أن السر الذي يخفيه أخطر مما تتخيل.
وأن حبها لآدم أصبح الآن سلاحًا ضدهما معًا.
وكانت البداية فقط نحو هاوية مجهولة.
(15)






المزيد
رواية عالم جزئي
الوصول إلى العالمية
الأمانة أجمل