سارة أسامة النجار
19 مايو 2025 – الاثنين
من أين أبدأ، ولا معالم لنهاية الرحلة؟ انتهينا قبل أن نبدأ، انهارت قوى أملنا وصبرنا، وتهاوت حياتنا تحت رجمات القدر، حتى باتت كالجحيم المتدفق بلا نهاية. لا وصف يكفي صفوف النازحين الذين طُردوا من ديارهم، يسيرون في اتجاه اللاشيء، يحملون حقائب ثقيلة بألم أثقل من الأمتعة.
الإخلاء التعسفي: الوجهة مجهولة، والرحيل حتمي
يصلنا الخبر:
“جيش الدفاع يؤمركم بالإخلاء الفوري والعاجل…”
أوامر تتحدد فيها أماكن الإخلاء، لكن لا تُحدد الوجهة، وكأننا نُدفع إلى الفراغ، رغم أن مدينتنا مدمرة، منكوبة، مهددة بأمر إخلاء تعسفي جديد.
كيف نخرج؟ وإلى أين؟ وماذا سنأخذ معنا؟
لم نملك إجابة، لكننا أسرعنا الزمن، فصارعنا، تاركًا لنا علامات استفهام معلقة بلا جواب.
بدأنا بجمع حاجياتنا، نردد لأنفسنا:
“خذوا كل شيء، ربما لن نجد شيئًا عند عودتنا، وربما… لن نعود أبدًا.”
لكن، كيف يمكن أخذ كل شيء؟
كيف يمكن حزم الذكريات في حقيبة ظهر، أو ترتيب الأمان في كراتين مهترئة؟
طريق النزوح: أطول من حدود الخوف
خرجنا في حافلة صغيرة، متجهين من شرق المدينة إلى غربها، رحلة كانت تستغرق ثلاثين دقيقة في الزمن الطبيعي، لكنها امتدت هذه المرة إلى أكثر من ثلاث ساعات، بعدما مزقت الحرب الطرقات وأثقل النازحون الأرض بخطواتهم المنهكة.
يسير معظمهم على الأقدام، أثقلهم جوعهم، وسقمهم، وضعف حالهم.
سيارات تتمايل ببركة الوالدين، فبدائل الوقود استنزفت محركاتها، كما استنزفت الحرب أعمارهم.
عربات تجرها حيوانات هزيلة، تشارك أصحابها في تضاريس المعاناة.
المواصي: حيث لا ملاذ للنازحين
عند غروب الشمس وصلنا إلى المواصي، لكن لم يمنحنا الوقت فرصة لبناء خيمة أو إيجاد ملاذ.
بعضنا نام على الأرصفة، والبعض استضافه غرباء أصبحوا أقرباء بين لحظة وأخرى.
اعتقدت أن التكافل مات، قبل أن نلتقي العم أبو سند الذي فقد أخاه قبل عشرين يومًا، ورغم ذلك لم يمنعه وجعه من احتواء أوجاعنا.
كنا خمسة وعشرين شخصًا:
ستة أطفال تحت الثامنة عشرة.
ثلاثة مسنين تجاوزوا الخامسة والستين عامًا.
ست نساء، جرحن أنوثتهن في حمل الأثقال، وإشعال الحطب، وغسل الملابس بماء البحر الذي يحرق الجلد بملوحته.
والباقي شبابٌ حملوا أثقالًا أكبر من أعمارهم، وأصابهم الشيب مما يتكبدونه.
خوف، جوع، برد، تعب…
هي عناوين رحلتنا، الرحلة التي لا معلم كيف بدأت ولا متى قد تنتهي.






المزيد
ذكرى وادي فيريو في قلب بوسعادة الجزائر بقلم خيرة عبدالكريم الجزائر ي
الهوى المتكلف بقلم عبير عبد المجيد الخبيري
من أين تُقاد؟ كيف تتحكم احتياجاتك الخفية في اختياراتك دون أن تشعر بقلم الكاتب هانى الميهى