كتبت: كارلا سليمان
الموهبةُ عطاءٌ خصَّ اللهُ به ِ الإنسان ليُبدعَ فنّاً يعبرُ عن الأفكارِ والنفسِ ويسمو بالروحِ الإنسانيةِ، والفنُّ بأنواعهِ رسالةٌ تحمل ثقافةَ وهويةَ الفنانِ والمجتمعِ إلى العالم.
ولا شك أنَّ الله قد منحَ هذهِ الموهبةَ لابن سورية النّحات “أسامة إسماعيل” المولود في مدينةِ الياسمين “دمشق”، والذي انتقلَ منها للسكنِ في محافظةِ “طرطوس” وتحديداً في مدينةِ السّحرِ والجمالِ “صافيتا” في قرية “حكرعين الباردة”.
“أسامة” خريج معهد متوسط اختصاص ميكانيك محركات وآليات، ويعملُ حالياً موظفاً لدى وزارةِ الثقافةِ السّوريّةِ، متزوجٌ ولهُ ولدٌ واحد.
•بداياتهُ:
أبدعت يدا “أسامة” في نحتِ الخشبِ وحفرهِ منذ كان في السّادسة عشرة من عمرهِ، فبدأ أوّلَ أعمالهِ البسيطةِ بنحتِ شعاراتِ السياراتِ مثل ماركة “مرسيدس”، “ميتسوبيشي”، “فولكسن فاجن” وغيرها الكثير، كما نحتِ أسماءَ الأشخاص على شكلِ عَلاقةِ مفاتيح.
انتقالهُ من “دمشق” إلى البيئةِ الريفيةِ في “طرطوس” وتوفرُ المادةِ الخامِ (الخشب) المُستخدمةِ في عمليةِ النحتِ والحفر ساعدهُ في تطوير وتنميةِ موهبتهِ الفطريةِ وصَقلِها جيداً لتصبحَ احترافاً واضحاً في العمل، ففكرةُ إبداعهِ الأوّلِ في المنحوتاتِ الكبيرةِ الحجمِ جاءت من قطعةِ خشبٍ من شجرةِ الدلبِ كانت موضوعةً أمام منزلهِ فخلقَ منها صندوقاً خشبياً مربعَ الشكل مع غطاءهِ، ومن هنا كانت انطلاقتهُ في نحتِ المنحوتاتِ الكبيرةِ الحجمِ في عام 2012م.

-عادةً ما يستلهُم النحاتُ “أسامة إسماعيل” أعمالهُ من أفكارٍ تستهويهِ ومن مواقع الإنترنت بالإضافةِ لطلباتٍ خاصةٍ من الزبائن.
-يقولُ “أسامة” أنّ أصعبَ منحوتةٍ صنعها هي منحوتاتُ الورودِ، وذلك لوجود طياتٍ وتفاصيلَ كثيرة فيها وبسبب قابليتها للكسر وهي واحدة من المنحوتاتِ التي تأخذُ جهداً كبيراً ولكن نتيجتها رائعة جداً، ويؤكدُ أنَّ النحاتَ يجبُ أن يتحلى بالكثيرِ من الهدوءِ والصبرِ والدقةِ والإصرارِ على الإنجاز.

•أدواتهُ:
لا يقتصرُ “أسامة” في تجسيدِ موهبتهِ بالاعتمادِ على نوعٍ واحدٍ من الخشبِ وإنما يبدعُ فنَّهُ بنحتِ جميع أنواع الخشب مثل خشب الزان الذي يستخدمهُ في عمليةِ نحت التماثيلِ والآلياتِ، أمّا خشب الزيتون وبصفته خشباً جميلاً ومميزاً فقد صنعَ منه صحونَ ضيافة بأشكالٍ عديدة وعصاراتِ ليمون يدويةَ الاستخدام، ونظراً لمقاومة خشب الزيتون للماءِ الساخنِ فاستخدمهُ أيضاً في صنعِ مصاصات المتة (المتة هي مشروبٌ ساخنٌ منتشرٌ في العديد من المناطقِ السُّوريّةِ) والملاعق الخشبية والسكريات (إناء يوضع فيه السُّكَر)، ويأتي اعتمادُ “أسامة” خشبَ الزيتون في الكثيرِ من أعمالهِ من توافرهِ في بيئتهِ واستخدامهِ لما يتبقى من الأخشابِ بعد تقليمهِ لأشجارِ الزيتون في بستانه، كما يعتمدُ أسامة أخشابَ السويد والشوح والتوت والزنزلخت وغيرها، أمّا الطلاء فهو لا يستخدمُ أي دهانات أو موادَ كيماوية وإنما فقط الزيت الطبيعي وبعض الزيوت التي تطلى بها المنحوتاتُ للحمايةِ ويعتمدُ بشكلٍ أساسي على ألوانِ الخشب الطبيعيةِ.

•التحديات والصعوبات:
لاشك أنّ النحات “أسامة إسماعيل” يعاني من بعضِ الصّعوباتِ والعراقيلِ الناتجةِ عن الحربِ والأوضاعِ الاقتصاديةِ الصّعبةِ والحصارِ المفروضِ على البلادِ، فمثلاً لا يستطيع “أسامة” العملَ في وقتٍ محدد وإنما فقط في أوقاتِ توفر الكهرباء،كما أنّه وبسببِ الأوضاعِ الاقتصاديةِ اضطرَ لبيع العديدِ من أعمالهِ الفنيةِ، ونقصُ الأدواتِ والآلاتِ وعدم توفرها في “سورية” اضطرهُ لأن يُبدِعَ من جديد ولكن بشكلٍ أخر حيثُ عَمِلَ على تطويرِ وتصنيعِ الكثيرِ من الآلات بنفسهِ وبمساعدةُ خبرتهِ ودراستهِ فمثلاً صنعَ مخرطةً لخِراطةِ الخشبِ باستخدام مُحركِ ماكينة خياطة ليطورها فيما بعد لمحركٍ صناعيٍّ كبيرٍ، وحتى معدات النحتِ الخاصةُ بالمخرطةِ صنعها بنفسهِ وكذلك صنعَ آلةَ لسنفرةِ الخشبِ.
ومن التحديات التي يواجهها “أسامة” أنّهُ رغمَ أعمالهِ التي توحي بموهبةٍ عظيمةٍ وسحرٍ خاصٍ إلا أنّهُ لم يلقَ أيَّ شكلٍ من أشكال الدعمِ ولم يلقَ اهتماماً من أيّ جهةٍ كانت، ولم يشارك بأي معرض ولم يحظى بجوائزَ أو تكريمات.
رغمَ كلِّ هذهِ الصعوباتِ والتحدياتِ إلا أنّه يسعدُ جداً عندما يرى ثمرة موهبتهِ وعملهِ ويهتمُ بسماعِ آراءِ الناسِ التي تؤكد سحرَ فنهِ.

-وككلِّ فنانٍ مهما كان نوعُ فنّهِ له جوٌّ خاصٌ به ِيساعدهُ على الإبداع وترتيبِ الأفكار بشكلٍ صحيح، فإنّ النحات “أسامة” لهُ جوّهُ الخاص في مشغلهِ الخاصِ المتواجدِ في منزلهِ فهو يحبُّ العملَ بهدوءٍ وصمتٍ بعيداً عن الناسِ ،وعلى الموسيقى أن تكون رفيقتهُ الدائمة لينغمسَ في عملهِ ويُنتِجَ منحوتاتٍ تستميلُ القلوبَ والإعجابَ إليها.

-يؤكدُ لنا أسامة أنّهُ يحبُّ عملهُ وموهبتهُ جداً ويستمتعُ بها كثيراً وسيستمرُ في تقديم الأفضلِ دائماً لتصلَ موهبتهُ ونتاجها إلى الناسِ وتحظى بانتشارٍ وتقديرٍ.






كل الشكر والتقدير والاحترام لك استاذة كارلا على هذه الاضاءة الرائعة وعلى هذه الصياغة الجميلة والشكر موصول لمجلة إيفرست