مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الكاتب والمترجم بين الأمانة والادعاء

الكاتب والمترجم بين الأمانة والادعاء

بقلم خيرة عبدالكريم

 

شهدت السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مجالات الكتابة والترجمة، الأمر الذي فتح آفاقًا جديدة لتسهيل الوصول إلى المعرفة وتبادلها بين اللغات والثقافات. غير أن هذا التطور التقني صاحبه ظهور ممارسات تثير تساؤلات أخلاقية ومهنية، من بينها قيام بعض الأشخاص بترجمة كتب لكتّاب آخرين، اعتمادًا كليًا أو جزئيًا على الذكاء الاصطناعي، ثم تقديم هذه الأعمال وكأنها إنجاز شخصي أو فكري خاص بهم.

الترجمة في جوهرها عمل نبيل يهدف إلى نقل المعرفة والأفكار من لغة إلى أخرى، لكنها لا تحول المترجم إلى مؤلف للنص الأصلي. فصاحب الفكرة والرؤية والتحليل يبقى الكاتب الذي أبدع المحتوى أولًا، بينما يتمثل دور المترجم في نقل ذلك المحتوى بأمانة ودقة إلى جمهور جديد. وعندما يتم تجاهل هذه الحقيقة أو التعتيم عليها، يصبح القارئ أمام صورة مشوشة للملكية الفكرية وللجهد الحقيقي الذي بُذل في إنتاج العمل.

وتتفاقم المشكلة عندما تكون الترجمة معتمدة على أدوات الذكاء الاصطناعي دون مراجعة لغوية أو معرفية متخصصة. فالترجمة الآلية، رغم تطورها الملحوظ، لا تزال عاجزة في كثير من الأحيان عن فهم السياقات الثقافية والدلالات العميقة والأساليب الأدبية الخاصة بكل كاتب. ونتيجة لذلك تظهر نصوص ركيكة ومضطربة، تنقل الكلمات لكنها تفشل في نقل روح النص ومعانيه الدقيقة. وعندما تُنشر مثل هذه الترجمات تحت أسماء أشخاص يدّعون لأنفسهم فضل العمل أو يخفون المصدر الأصلي، فإن الضرر لا يقع على المؤلف وحده، بل يمتد إلى القارئ وإلى ثقافة النشر والمعرفة بأكملها.

إن من أخطر نتائج هذه الممارسات تراجع الثقة في الأعمال المترجمة، وإضعاف قيمة الترجمة الاحترافية التي تتطلب مهارات لغوية وثقافية ومعرفية عالية. كما أنها تساهم في طمس حقوق المؤلفين الأصليين وتشويه الجهود الفكرية التي استغرقت سنوات من البحث والكتابة والتطوير.

لا شك أن الذكاء الاصطناعي أداة مهمة يمكن أن تساعد المترجم في إنجاز بعض المهام وتوفير الوقت والجهد، لكنه يظل وسيلة مساعدة لا بديلًا عن الإنسان، ولا يمنح مستخدمه حق الادعاء بملكية أفكار الآخرين أو نسبتها إلى نفسه. فالأمانة العلمية والأخلاقية تقتضي الاعتراف بالمؤلف الأصلي، وبيان دور المترجم بوضوح، والالتزام بتقديم نص مترجم يليق بالعمل الذي ينقله.

وفي النهاية، لا يصبح الكاتب ظلًا لمجرد أن عمله تُرجم إلى لغة أخرى، ولا ينبغي للمترجم أن يتحول إلى مؤلف مزعوم بسبب استخدامه أدوات حديثة في النقل والترجمة. فلكل منهما مكانته ودوره، وحفظ هذه الحدود هو ما يضمن احترام المعرفة وصون حقوق أصحابها.