مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الكاتبة ملاك عاطف وعملها الأدبي بين رفوف دار نبض القمة مجلة إيفرست

Img 20250117 Wa0038

 

 

حوار: عفاف رجب 

 

كاتبة فلسطينيّة شابّة، تهوى الأدب والفنّ، وتحفظ عوالم القراءة اللّا متناهية؛ لكثرة زيارتها المتكررة الدّائمة لها والغوص بها، سماء عطائها رحبةٌ بلا سقفٍ ولا حدّ، اجتماعيّةٌ بطبعها، وتميل إلى تكوين صداقاتٍ جديدةٍ باستمرار متناسيةً كلّ خيبةٍ كادت تودي بقدسيّة الصّداقة إلى درك اللّا شيء.

 

تحاول أن تنهل من كلّ بحرٍ قطرة، تجيد العزف والغناء، وتبرع في التّعليق الصوتيّ، لكنها تفضّل دسّ كل أولئك في ركنٍ قصيٍّ في دائرة المقرّبين منها، وتبقي على ما يخطّه قلمها؛ ليكون استعاضةً عمّا خبّأته، ولأنّ الحرف فكرة ورسالة، والرّسالة أمانةٌ، والأمانة -بنظرها- تصبح هديّةً للقارئ الّذي تحسبه محلّ ثقةٍ لصونها.

 

وإليكم ضيفة الدار والمجلة الجديدة ملاك عاطف، يصدر لها هذا الموسم عملها الأدبي بين طيات دار نبض القمة.

 

إلى النص:

 

_كيف بدأتِ مشوارك الأدبي؛ ومتى؟ وما هي أصعب المواقف التى مررت بها؟بدأت مشواري الأدبي حين فتحت لي الغيرة الإيجابيّة، أو لنقل الغبطة باب الموهبة والرّغبة في الإبداع، وقتها كنت في الحادية عشر من عمري، وكنت متابعةً مخلصةً لقناة سبيستون، وكانت تعرض آنذاك كرتون إيميلي فتاة الرّياح، طفلة من جيلي، ابنة صحفيّ، تتنفّس الكتابة، كانت تقرأ علينا ما تكتب، وتخطّ يوميّاتها أمامنا بشغف، وتحاول جاهدةً نشر كتبها ورواياتها غير آبهةٍ لرفض دور النشر المتوالي لأعمالها؛ فقرّرت أنّي كاتبة، وأخذت أكتب القصائدَ وألحّنها وأغنّيها لأمّي ومعلّمة اللّغة العربية مس أسماء، كنت أظنّ أنّ السّجع هو العمود الفقريّ للأدب، وكانتا تثنيان عليّ دومًا، وتحرصان على رفع معنويّاتي وتشجيعي على الاستمرار، أمّي كانت تردّد كلمات الفخر والاعتزاز طيلة الوقت، ومعلّمتي كانت تعطيني نصائح صغيرةً تناسب سنّي، وناعمةً معسولةً تناسب شعوري؛ لئلّا يخدش. أذكر أنّ أوّل قصيدةٍ كتبتها كانت عن الحمام، والثّانية عن العصفور، والثّالثة كانت بعنوان: الرّبيع، كنت أغنّي بشغف واندفاع، وأكتب كلماتي الطّفوليّة على الورق بطريقة برايل، بينما تعيد أمّي كتابتها بالمبصر-بالحبر؛ كي يقرأها كلّ النّاس، وكانت تجمع أوراقي في حزمةٍ وتلصقها؛ فتبدو على هيئة كتابٍ يشعرني أنّ ما يحويه أجمل وأثمن كلامٍ في الدّنيا.هكذا كانت البداية، أمّا عن الصّعوبات، فقد تجسّدت في رحلتي الطّويلة الشّاقة الّتي اضطررت إلى تحمّل متاعبها؛ للبحث عن دار نشرٍ أو أستاذ لغةٍ يعينني على نشر كتابي، وصلت إلى طرف الخيط مرارا، وكلّما هممت بعقد صدق نيّتي به، تلاشى واختفى! أحدهم طلب نسخةً مطبوعةً من العمل وظلّت شهرًا أو يزيد في مكتبه ولم يقرأها؛ فسارعت إلى استعادتها، وأحدهم وعد بمرافقتي طيلة المشوار وغاب في دهليز تجاهلٍ طويلٍ لرسائلي، وأحدهم استخفّ بقدرتي على كتابة رواية “رواية مرّة وحدة، اكتبي قصّة قصيرة، اه، ممكن، أمّا رواية، مفكرة أي حدا بيكتبها”! وأحدهم قال إنّ هذه السّطور بلا قيمةٍ أدبيّة. تأثّرت قليلًا ربّما، لكن سرعان ما دست هذه العقبات بقدم الإصرار، وطلبت إلى صديقتي ندى المصريّة أن تساعدني، وكانت خيرَ صاحبةٍ، وأهلًا للعون، والدّعم، والثّقة، واستطاعت -رغم عدم اتصالها المباشر بدور النّشر- أن تدلّني على مجموعة “اعرف دور النشر”، والّتي من خلالها تعرّفت إلى إيفرست حين كتبت حور أنّ المجلّة تريد انضمام كتّاب جدد، صرت أكتب في قسم الخواطر، وعرفت مصادفةً أثناء حديثٍ مع أ. قمر أنّ المجلّة تابعة لدار نشر؛ فكان لزامًا على روحي أن تحتفل، وهكذا صار بإمكاني القول إنّ مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة.

 

_ما سبب تسمية العمل بهذا الاسم، وما هي فكرة العمل، ومن أين بدأت لك فكرة العمل؟

رسائل تمرّد عليها الزّمان هو اسمٌ أردته أن يكون غريبًا ملفتًا مميّزًا، يشدّ القارئ، ويعبّر عن الظّروف الّتي مررنا بها نحن الفلسطينيّون خلال هذا العامَ وسابقه.الكتاب عبارةٌ عن رسائل أدبيّة كتبتها بأسلوبٍ روائيّ؛ كي يسهل نقل الأحداث وكذلك استيعابها، وهي بين صديقتين، إحداهما من الضّفّة الغربيّة والأخرى من القطاع، كانتا تكتبان تفاصيل حياتهما لبعضهما؛ من أجل أن يكون القلم شاهدًا على الجرائم، والشّوق، والحرمان، ووجع الغياب، وقهر القلق والتّوتر؛ حيث أنّ الصّديقتين ورد وبشائر هما كالأختين، ولم تلتقيا أبدًا؛ بسبب الحصار الخانق على القطاع، وجدار الفصل العنصري، والمضايقات الكبيرة، والتّحكم الجائر بحركة الفلسطينيّ، والظّلم الّذي نتعرض له من قبل الاحتلال الغاشم. فكرة العمل جاءت بعد أن أوشكت على رفع الرّاية البيضاء أمام نفسي، وذلك حين لم أفلح بنشر روايتي الأولى “إلى متى؟”، والّتي توانى عن قراءتها ونشرها أناسٌ وعدوا بذلك؛ فقررت تركها؛ لأخذ استراحة محاربٍ من عبء العناية بها، وانهمكت أكتب عن الحرب بكامل جوارحي في سلسلة نصوص أدبيّة تحت عنوان “ما لم يقرأه أحد”، ثمّ شعرت أنّ عليّ التّعامل مع حلمي بأن أصير كاتبةً على محمل الجد، وبينما أتحدّث مع صديقتي سارة النجار وكانت تعيش في الخيمة وقتها، وبينما هي تروي أخبارهم ونحكي لبعضنا تفاصيل التّفاصيل، شعرت بالأسى والعجز، كيف لا أستطيع رفع هذا العناء عن صديقةٍ بمثابة أختي؟! كانت قويّةً صامدةً صابرة، لكنّي كنت قادرةً على لمس تعبها وحزنها الّذي تواريه بإيجابيّتها المتّقدة، وكانت إجابةُ السؤال أعلاه تتمثّل في كتابٍ على شكل رسائل، يضمّ حواراتٍ شبه يوميّة بين صديقتين. أردته أن يكون مفاجأةً لها، لكن عندما تكرّر نزوحهم، بحت لها بسر عملي الأدبيّ، وأطلعتها على كلّ حرفٍ كتبته؛ كي أكونَ لها كل شيء، ويكونَ حرفي هديّةً، ومحبّةً، وتربيتة!

_هلا حدثتني وبشكل مُبسط عن شعورك حينما تم اختبار كتابك بأن يتم نشرها، وكيف كان التعامل من قِبل دار نبض القمة؟

في الحقيقة كنت متوتّرةً بعض الشيء، مع أنّ أ. قمر وحور كانتا تحبّان أسلوبي الكتابيّ وتعجبان بنصوصي، لكن كنت أنتظر الرفض؛ لا لشيءٍ إلّا لأنّي أعلم أنّ الخطوةَ كبيرة، ودور النشر هنا ترفض نشر شيء عن القضيّة؛ فمعاييرها لا تسمح بذلك تقريبًا، إضافةً إلى أنّ ضميري كان يهمس لي أنّي مسؤولةٌ عن كلّ حرفٍ، ومعنى، وفكرة، ومفهومٍ سيدخل إلى عقل القارئ، وكانت هذه أوّل تجربة؛ ولهذا ربّما صوّبت نظري نحو الإخفاق؛ طمعًا بنجاحٍ كبير، ورغبةً منّي بالنّهوض برسالةٍ ذات قيمة ترقى بالقارئ لغويًّا وفكريًا وأدبيًّا. تعامل نبض القمّة لطيفًا، والدّعم بادٍ على محيّا خصال كلّ من في الدّار.

Img 20250117 Wa0039

_لِمَ اخترتِ دار نبض القمة بالتحديد، وما الذي يوجد بها دون غيرها من الدُور الأخرى؟

بصراحةٍ أستطيع القول أنّ القدر هو من اختار لي نبض القمّة، وكنت قد سألت عن تعاملهم مع الكتّاب أكثر من مرّة، وكل النّاس قالوا فيهم خيرًا؛ فاطمأننت إليهم، و أ. قمر كانت سريعة الرّد على الاستفسارات صبورةً راقية، و أ. سارة تشعرني أنّها ملاذ الكتّاب، حيث نسأل عمّا لا نعرفه دون ثقل، ونقول ما نريده بلا خجل، لديها جاذبيّةٌ ما تقول لي إنّ هذا هو الشّخص الصّحيح في المكان الصّحيح، والشّكر موصول للدكتور وليد.

_من الداعم لكِ في مسيرتك الأدبية؟عائلتي هي الدّاعم الأكبر، أمّي هي من صنعت أدبي، وأبي غلّفه بحنانٍ يحفظه من حرارة وبرد كلام النّاس وردود أفعالهم، وعمّاتي وخالاتي وجدّي وجدّتي يقرؤون نثري بحبّ، ويخبرونني دائمًا أنّي أبلي بلاءً حسنًا، وأنّي مبدعةٌ في اختيار الكلمات، وحياكة الصّور الفنّية، وصياغة عناوين مختلفة للنصوص. ولا أنسى د. رائد الجعبري المشرف على مشروع التّخرّج في الجامعة، هو يقرأ ويعلّق، وينصح، وحتّى بعد تخرّجي ما زال يقدّم دعمًا كبيرًا ومستمرًا، ويظهر إيمانًا عميقًا بمَلَكتي الأدبيّة. وصديقاتي يقدّمن دعمًا لذيذًا يشبه لطفهنّ تمامًا، يقرأن بحبّ، وينتظرن الجديد بشغف، ويخبّئنَ ما يلامسهنّ من نصوصي في مذكّراتهن؛ فشكرًا لهم جميعًا.

 

_إلاما تطمحين في الفترة المقبلة؟

أطمحُ إلى مصاحبة جمهور القرّاء، وأدرّب نفسي على أن أكون بينهم ومعهم ولهم لا فوقهم؛ فقلمي يجري؛ من أجل إسعادهم وإفادتهم، وحرفي يليق بهم، وهم القضاة-الحكّام والإخوة، وهم لسان الواقع، والواقعُ ركيزة الأدب.

_الكتابة والقراءة وجهين لعملة واحدة؛ لمن تقرأ الكاتبة؟ وما الذي يجذبها من أنواع الكتب؟أوّل ما قرأت هي رواية “غربة الياسمين” للدكتورة خولة حمدي؛ ولأنّ الحبّ للحبيب الأوّل؛ فأنا أشعر أنّ أعمالها ستظلّ الفائزةَ بقلبي وكياني دائمًا. وبشكلٍ عام، أحبّ أن أقرأ في شتّى المجالات، وأفضّل أن يكون لي ورد يوميّ ألتزم به مع صديقةٍ؛ لتجنّب التّسويف، كما أحبّذ تحليل ما أقرأ تحليلًا أدبيًّا وافيًا معها؛ فأثري فكري، وأوسّع خيالي، وأبري مهارتي، هذا ما علّمتني إيّاه المحاضرة *مس راية* في الجامعة، وهذا ما سأتمسّك به إلى الأبد إن شاء الله. وأخيرًا واسمحوا لي بالإطالة، نوع الكتب الّذي يجذبني هو ذاك المحشوّ بالبلاغة والاستعارات، ككتب غادة السّمّان، ودرويش، وكنفاني؛ فأنا أهوى عمق كلّ شيء، وأميل إلى السّطور الّتي لا تُفهَمُ من القراءة الأولى.

 

_ما هو مفهومك عن الكتابة بشكل خاص، والأدب بشكل عام؟

الكتابة هي الصديق، والأنيس، والمتنفّس، والملجأ، وصندوق الأسرار.

والأدب هو لسان الحاضر، وأثر الماضي، وضمانة المستقبل، وظلّ الواقع، وخصوبة الخيال. وهو ثقافة، وثروة، وعراقة، ورقيّ وفن.

_هل لنا بنصيحة منكِ للكاتب الذي في بداية طريقه؟

اكتب كثيرًا، واقرأ أكثر، واحرص على عرض كتاباتك على متمرس ذي خبرة، وعود نفسك على تقبل النقد، ولا تستسلم مهما عانيت ولاقيت.

 

_كلمة أخيرة لقُراء مجلتنا الأعزاء؟

أشكركم على القراءة والمتابعة، وأنصحكم بالمواظبة على المطالعة؛ فهي غذاء العقل، ويسعدني جدًّا أن تكتبوا آراءكم ونقدكم البنّاء؛ فأنتم نبض الحبر، والحبر ينبض؛ لـ أجلكم.

 

ومنا نحن مجلة إيفرست الأدبية نتمنى التوفيق والنجاح الدائم للكاتبة ملاك عاطف فيما هو قادم لها إن شاء الله.