مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الكاتبة المبدعة لبنى دراز و حوارها الصحفي داخل مجلة إيڤرست الأدبية.

🖋️  مجلة إيفرست الأدبية مع الكاتبة الكبيرة لبنى دراز

 

حوار: شيماء طارق.

 

– اليوم نلتقي بقامة أدبية رفيعة، اسمٌ غني عن التعريف في عالم الأدب والفكر. الكاتبة لبنى دراز هي كبيرة في المقام والمكانة، وأعمالها الأدبية كانت ولا تزال علامة مضيئة أثّرت في وجدان المجتمع ورسّخت القيم النبيلة بين القراء.

إنها كاتبة حفرت اسمها بحروف من ذهب في عالم الأدب، وجعلت من قلمها أداة لنشر الفكر الواعي ورسائل الحياة العميقة. يشرفنا أن نستضيفها اليوم في هذا اللقاء الخاص.

في البداية وقبل أن نبدأ اللقاء، أود أن أوجه الشكر من قلبي للكاتبة الرائعة شيماء طارق على المقدمة الجميلة، وبحق كلماتك لامستني وكانت أكثر من مجرد تقديم، بل كانت دفعة أمل ومحبة شعرت بها كثيرًا. شكرًا جدًا على دعمك وكلماتك الأكثر من رائعة. والآن أنا مستعدة للقاء بصدر رحب وأتمنى أن يكون لقائي خفيفًا عليكم وعلى القراء العظماء أحباب قلبي الذين لولا دعمهم ومحبتهم لما وصلت إلى هذا اليوم ولا حققت أي خطوة في مشواري.

 

1. في البداية.. كيف بدأتِ رحلتك مع الكتابة؟ وما الذي ألهمك في بداياتك؟

بدأت رحلتي مع الكتابة منذ حوالي 30 سنة، كنت وقتها في المدرسة أجلس وسط صديقاتي نتحدث ونضحك كعادتنا وفجأة حدث موقف استفزني جدًا لدرجة أنني وجدت نفسي تلقائيًا أمسك القلم وبدأت أكتب لأعبّر عن ما شعرت به في تلك اللحظة، كأن القلم كان وسيلتي الوحيدة وقتها لأخرج ما بداخلي. ومنذ تلك اللحظة بدأت الحكاية.

ذلك الموقف كان الشرارة، لكن الحقيقة أن الإلهام لم يكن موقفًا واحدًا فقط بل كانت سلسلة من المواقف التي عشتها في ذلك الوقت، وكل موقف كان يترك أثرًا في نفسي ويدفعني للكتابة من دون أن أفكر في سبب ذلك.

 

2. من كان الداعم الأكبر لكِ في مشوارك الأدبي؟

الحقيقة في بداياتي لم يكن هناك داعم غير إحساسي بالكلمات التي أكتبها.

كنت أكتب في السر دون أن يعلم أحد، لأن الكتابة كانت ملجأً خاصًا بي أو بابًا لا يدخله غيري لأخرج ما بداخلي براحة دون أن يمنعني أحد. ومع مرور وقت طويل جدًا ربما يقارب ربع قرن، قررت نشر أول عمل لي على الفيسبوك، ومن هنا كانت نقطة التحوّل. وجدت تشجيعًا من صديقاتي اللواتي قلن لي: “كمّلي”، وكأن تلك الكلمة فتحت لي بابًا لم أكن أتخيل أنني سأدخله. ومن تلك اللحظة كانت الانطلاقة الحقيقية، ووجدت دعمًا من الكثيرين، وأولهم أمي رحمها الله التي كانت دائمًا مؤمنة بي، وأختي الوحيدة التي كانت سندًا وصوتًا دائمًا يقول: “أنا فخورة بكِ”.

بعدهما جاء القراء الذين شجعوني وانتقدوني، وكل واحد منهم كان له دور في دعمي، لأن حتى النقد يجعلني أتعلم وأطوّر من نفسي وأحترم الكلمة أكثر.

 

3. أعمالك تركت بصمة في المجتمع.. ما الرسالة الأساسية التي كنتِ تسعين لإيصالها للقارئ؟

في البداية كانت الكتابة مجرد شغف وهواية ليس أكثر، لكن مع الوقت بدأت أفهم أنها أعمق من ذلك بكثير.

ردود أفعال القراء والتعليقات التي كانت تصلني من الكثيرين يقولون فيها إن قصتك أثّرت فيهم أو أنهم تعلموا منها شيئًا، جعلتني أركز أكثر على المحتوى الذي أقدمه وأصبح مسؤولة عنه. أصبحت رسالتي واضحة أمامي: أن أقدّم عملًا هادفًا يعلّم القارئ كيف يواجه ظروفه الصعبة دون أن يتنازل عن احترامه لنفسه، ودون أن يستخدم العنف كوسيلة.

أحاول أن أقول من خلال السطور إن الحق لا يُنتزع بالبلطجة أو فرض السيطرة، بل بالصبر، وبالقانون، وبالأدب. وأحب أن أؤكد دائمًا على فكرة أن الإنسان لا يُولد مجرمًا بطبعه، بل البيئة المحيطة هي التي تجعله كذلك، وإذا تغيّرت الظروف وتوفرت له بيئة سليمة، يمكن جدًا أن يتحول ذلك الشخص نفسه إلى النسخة الأفضل من ذاته. وأحاول دائمًا أن أوصل هذه الرسائل في إطار درامي مشوّق يجذب القارئ ويمتعه، وفي الوقت نفسه يترك داخله أثرًا يبقى معه حتى بعد أن ينهي آخر فصل.

 

4. هل تذكرين أول عمل أدبي كتبتهِ؟ وكيف كانت ردود الأفعال عليه؟

بالتأكيد أتذكر أول عمل لي، فهي ليست مجرد رواية بل هي ابنتي الأولى: “موعد مع القدر (تحدي الإعاقة)”.

كانت مجرد فكرة صغيرة منذ عام 1995 لكنها كانت مليئة بالأمل والإحساس بالمسؤولية تجاه فئة مهمّشة في المجتمع وقتها. ومرت السنين حتى تحولت هذه الفكرة إلى رواية مكتملة في عام 2021. عندما بدأت نشرها كنت متوترة جدًا وخائفة من رد الفعل، لكن المفاجأة أن الناس استقبلوها بحب، وكانت كلمات التشجيع فوق توقّعي. صديقاتي كنّ أول الداعمين، وبعدهن بدأ الدعم يأتي من قراء لا يعرفونني، لكنهم وجدوا أنفسهم فيما كتبته، وهذا بالنسبة لي كان أعظم إشادة.

العمل نفسه لم يكن الأفضل، ولم أكن وقتها في أعلى مستوى، لكنه كان صادقًا، وهذا ما صنع الفارق، لأنه لم يكن مجرد قصة بالنسبة لي، بل كان حلمًا كنت أتمنى أن أراه يتحقق: أن أرى أصحاب الهمم لهم مكانة حقيقية في المجتمع، صوتهم مسموع وحضورهم مُقدّر.

وبعد 25 سنة، رأيت هذا بعيني حتى وإن لم أكن السبب فيه، لكنني كنت سعيدة بأن الرسالة التي حملتها بداخلي وصلت للعالم بطريقة أو بأخرى.

 

5. برأيك.. ما أهم مقومات الكاتب الناجح الذي يستمر عبر الأجيال؟

من وجهة نظري، الكاتب الذي يستمر عبر الأجيال ليس من كتب كثيرًا، بل من كتب بصدق. الاستمرارية الحقيقية لم تكن يومًا في عدد الكتب، بل في عمق الأثر والهدف الذي يقف خلف العمل.

وطبعًا أهم مقومات الكاتب الناجح هي:

أن يكون صادقًا مع نفسه أولًا، وأن يكتب من مكان حقيقي بداخله، يشعر بكل كلمة يكتبها، لأن القارئ مهما تغيّر الزمن يشعر بالكلمة الخارجة من القلب.

يجب أن يكون لديه وعي، ليس فقط باللغة أو الأسلوب، بل بالناس، وبالحياة. يعرف كيف يسمع قبل أن يكتب، ويرى قبل أن يصف. كما يجب أن يمتلك شجاعة وحياء في الوقت نفسه، فليس كل الناس تستطيع أن تحكي الحقيقة أو تسلّط الضوء على المواضيع الشائكة دون أن تفقد حياء الكلمة. والأهم أن يظل يتعلم، لأن الكاتب الذي يظن أنه وصل إلى القمة، هو في الحقيقة يبدأ في السقوط، لكن من يظل يطوّر من نفسه ويحترم كل كلمة يكتبها، هو من سيبقى حتى بعد رحيله.

 

6. من هو الكاتب أو الأديب الذي أثر فيكِ وكان له دور في تشكيل فكرك الأدبي؟

يمكن لم يكن كاتبًا بعينه، لكن الحقيقة أن كل كا…

 

 

6. من هو الكاتب أو الأديب الذي أثّر فيكِ وكان له دور في تشكيل فكرك الأدبي؟

ربما لم يكن كاتبًا بعينه، لكن الحقيقة أن كل كاتب قرأت له وكان صادقًا في كلماته ترك بصمة بداخلي. ولكن إذا تحدثت عن الأثر الحقيقي فأنا تأثرت أكثر بالكتّاب الذين يوصلون المعنى ببساطة، والذين يستطيعون الكتابة عن الناس العاديين، بآلامهم وأحلامهم، من غير تكلّف أو فلسفة زائدة. هذا النوع من الأدب هو الذي علّمني أن أكتب وأنا أضع في اعتباري دائمًا أن القارئ لا يحتاج أن يُبهره النص، بل يحتاج أن يشعر بتفاصيله ويعيش بداخله كأنه يتحدث عنه.

 

7. كيف ترين علاقة الأدب بالواقع الاجتماعي الذي نعيشه اليوم؟

أرى أن الأدب الحقيقي لم يكن يومًا منفصلًا عن الواقع، بل على العكس هو انعكاس له، ومرآة تكشف ما يحدث، ولكن بشكل أعمق، وأحيانًا يكون أصدق من الكلام المباشر. الأدب لا يوثّق الواقع فقط، بل يفتح بابًا للفهم والتغيير، فقد تغيّر قصة واحدة نظرة شخص تجاه قضية معينة، أو تجعله يعيد التفكير في سلوك غير سوي كان يراه أمرًا عاديًا. باختصار، الأدب الصادق يمكن جدًا أن يخلق وعيًا وفكرًا جديدًا لدى القارئ، ويمكن أن يحفّز المجتمع على التقدم للأفضل.

 

8. هل تعرضتِ لانتقادات قاسية في مشوارك؟ وكيف تعاملتِ معها؟

بالتأكيد تعرضت للكثير من الانتقادات، منها السلبي ومنها المفيد فعلًا. كنت في البداية أحزن وأتضايق، لكن مع الوقت تعلمت أن أناقش وأستمع جيدًا وأطوّر من نفسي. النقد الآن أصبح بالنسبة لي فرصة كي أتحسن أكثر وأقدّم أفضل ما لدي.

 

9. أيّ من أعمالك تعتبرينه الأقرب إلى قلبك ولماذا؟

رواية العشق الأبدي، لأنها تضم حلمًا كنت أتمنى تحقيقه في الواقع، لكن للأسف لم تسمح الظروف وقتها. غير أنني استطعت بفضل الله أن أحققه من خلال الرواية، وهذا ما جعلني أرتبط بها بشكل خاص. ولهذا السبب، مهما كتبت بعدها، ستظل العشق الأبدي دائمًا الرواية الأقرب إلى قلبي.

 

 

10. ما التحديات التي واجهتكِ ككاتبة في بداياتك مقارنةً بما يواجهه الكتّاب الجدد اليوم؟

في بداياتي لم تكن هناك تحديات كالتي نراها الآن، سواء بالنسبة لي أو بالنسبة للكتّاب الجدد. اليوم أصبحت الساحة مزدحمة جدًا والمنافسة شديدة للغاية، ورغم أن المواقع الإلكترونية ومجموعات القراءة وفّرت فرصة كبيرة للانتشار، إلا أن من سيستمر ويصل هو من يعرف كيف يثبت نفسه وسط هذا الزحام.

 

11. هل ترين أن الأدب العربي اليوم يواكب قضايا المجتمع بالشكل الكافي؟

بالتأكيد هناك محاولات كثيرة من الكتّاب لمواكبة قضايا المجتمع، وهذا يظهر بوضوح في الكثير من الأعمال التي تتناول قضايا مهمة مثل وضع المرأة، والصراعات النفسية والاجتماعية. وهناك أيضًا طرح للسلبيات التي نعيشها ومحاولات جادة لإيجاد حلول واقعية وفعّالة لها.

 

12. ماذا يعني لكِ القراء الذين كبروا مع كتبكِ ويعتبرونكِ قدوة لهم؟

القراء الذين كبروا مع كتاباتي هم بالنسبة لي الروح التي تعطي لأي كلمة أكتبها معنى. هم النور الذي ينير طريقي ويجعلني أكمل المشوار، لأنه من دونهم لم يكن ليكون هناك شيء اسمه لبنى دراز. وفكرة أن هناك من يعتبرني قدوة له هي مسؤولية كبيرة على عاتقي، وتجعلني دائمًا حريصة أن أكون صادقة في كل كلمة أكتبها وكل إحساس أنقله، وأن أكون دقيقة أيضًا في اختياراتي.

 

13. هل تفكرين في كتابة مذكراتكِ لتوثيق مشواركِ الأدبي الطويل؟

أن أكتب مذكراتي؟!  لا أبدًا، ولم تخطر هذه الفكرة على بالي يومًا. ربما لأنني لا أشعر أن لدي ما يستحق أن يُكتب كمذكرات، أو ربما لأن حياتي واضحة بين سطور كل قصة أكتبها. كل وجع وكل فرحة وكل لحظة مرّت بي ستجدها مختبئة في شخصية أو في حوار أو في نهاية غير متوقعة. أما المذكرات فستجعلني مضطرة للحديث عن نفسي، وأنا لا أحب ذلك.

 

14. ما النصيحة التي توجهينها للشباب الذين يخطون أولى خطواتهم في الكتابة؟

أن تكون صادقًا مع نفسك ومع ما تكتبه، لا تكتب لمجرد إرضاء الناس أو سوق الكتابة، بل اكتب لتوصل رسالة هادفة للمجتمع، اكتب لتترك بصمة وعلامة. اشعر بكل حرف تكتبه واجعله يخرج من قلبك، وكن صبورًا، فالنجاح لا يأتي في يوم وليلة. كلنا بدأنا وسقطنا ونهضنا أكثر من مرة حتى تذوقنا طعم النجاح. كذلك عليك أن تقرأ كثيرًا وأن تستمع إلى النقد، لكن لا تدع أي كلمة تحبطك، بل تعلم منها وطوّر نفسك لتكتب أفضل ما لديك.

 

15. وأخيرًا.. كيف تحبين أن يتذكرك الناس بعد كل هذا العطاء الأدبي؟

بكل بساطة، أتمنى عندما يتذكرني أحد أن يتذكرني برسالة لمست قلبه أو أحدثت داخله تغييرًا ولو بسيطًا. أتمنى أن يقولوا إنها كانت تكتب من قلبها، وكل حرف كانت تشعر به حقًا. أتمنى أن يقولوا إنهم عاشوا التفاصيل كأنهم كانوا داخل الحكاية، ضحكوا وبكوا وخافوا مع الأبطال كأنهم من العائلة، وكرهوا الأشرار كأنهم أذوهم حقًا. هذا هو ما أتمنى أن يتذكرني الناس به. وإذا حدث ذلك، فأكون قد وصلت إلى القمة، وهذه أغلى ما يمكن أن أتركه خلفي.

مع تمنياتي بالنجاح والتوفيق الدائم… ★

أولًا أحب أن أشكر من قلبي مجلة إيفرست على هذه المساحة الجميلة التي أتاحَت لي الفرصة أن أتحدث فيها عن شغفي بحرية. وبحق، هذا اللقاء بالنسبة لي لم يكن مجرد حوار، بل كان رحلة جميلة مليئة بالصدق والدفء والرغبة الحقيقية في أن يصل صوت الكاتب إلى أكبر عدد من الناس.

وشكر خاص لفريق التحرير والقائمين على هذا اللقاء على احترافيتكم وذوقكم واهتمامكم بأدق التفاصيل.

ممتنة جدًا لكم ولسعيكم الدائم في تسليط الضوء على كل قلم يحاول أن يرسم ملامح حقيقية للكتابة ويترك بصمة في عالم الأدب.

وأخيرًا، شكرًا من قلبي لكل من سار معي خطوة بخطوة في مشواري، لكل من آمن بكلمة كتبتها، ضحك وبكى وتوتر وشعر أنه داخل الحكاية. وجودكم بجانبي هو النور الذي يشقّ ظلمة طريقي، وهو السبب الحقيقي الذي يجعلني أستمر. وطالما فيّ نفس وأستطيع أن أكتب، سأظل أكتب من أجلكم.