بقلم/ مريم زهران
لا تغيب عن عيني أمجاد أمتنا،
ولا يغيب أجدادي عن ذاكرتي.
لا يغيبون، وقد صالوا وجالوا في تلك البقاع يومًا من الأيام، لتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله لله، وليُخرجوا الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، وليملؤوا الأرض رحمةً وعدلًا كما لم يفعل أحد قبلهم ولا بعدهم.
فهم لم يُقاتلوا في سبيل الدنيا، ولا سعوا وراء أهوائهم يومًا، بل كان محياهم ومماتهم ونُسُكهم وقتالهم خالصًا لله.
كل ما فعلوه كان لله، ولذلك نصرهم الله، واستغاثوا به فاستجاب لهم، وأمدهم بالملائكة، وألّف بين قلوبهم، وبدّلهم من بعد خوفهم أمنًا، وجعل أمتهم باقية إلى قيام الساعة.
فلماذا، بعد كل هذا المجد، جاءت أجيال من الأمة لا هوية لها ولا قضية؟
جعلوا الدنيا أكبر همهم، وغاية قصدهم، حتى باتوا يأكلون ويشربون ويتكاثرون كما تفعل الأنعام، بلا رسالة ولا هدف.
والأخطر في نظري، أن منهم من تبرّأ من هويته الإسلامية، وصار يخجل منها، ويحاول بكل وسيلة دفنها. تراه يتبنى أفعال وأقوال أممٍ أخرى، لهم تاريخ أسود، ملؤوه ظلمًا وجورًا، أسرفوا في القتل، ونكّلوا بالأبرياء، وهتكوا الأعراض، ولم يراعوا في أحدٍ إلًّا ولا ذمّة.
ورغم ذلك، يراهم هو الأحق بالاتباع، بينما يرى أن هوية أمته لا تستحق الحياة، فقد ولّى وقتها في نظره، وانتهى أمرها.
هويتنا الإسلامية لا تموت
في الحقيقة، إن هويتنا الإسلامية لم ولن تنتهِ بمرور الزمن، كما يظن بعض المنهزمين.
هي الأحق بالاتباع، لأنها الأكثر صدقًا وعدلًا.
ميزانها ومنهجها ليسا من صنع البشر ولا الأهواء، إنما هو ما شرعه الله، وجاء به رسوله ﷺ.
ولو اتبع الحق أهواء البشر، لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن، وهذا ما شهده التاريخ من فساد ودمار للأمم التي كان منهجها أرضيًا بشريًا يتبع الأهواء، بينما منهجنا سماوي رباني، خالص من الأهواء والشهوات. فاندثرت أممهم، وبقيت أمتنا.
وفي كل الأزمنة، تظهر أمة تحاول أن تثبت قدرتها على العلو بغير منهج الله ورسوله، فيرفعها الله لحكمةٍ يعلمها، ويجعل ذلك فتنة لأصحاب القلوب الضعيفة، ليمحّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين.
أما الذين آمنوا، فيعلمون يقينًا أن تلك الأمم، مهما ارتفع شأنها وتجبرت، فإن مآلها إلى الدمار والفناء، إن لم تترك عبادة أهوائها، وتتخلص من المركزية الإنسانية التي يُطلق عليها اليوم “الإنسانوية”، حيث يتمركز الإنسان حول ذاته، ويجعل نفسه الحاكم الأعلى في هذا الكون، بلا وحي ولا شريعة.
لكن المركزية الحقيقية لله وحده، فهو الحكيم الخبير، خالق الإنسان، ومنزّل الأديان ليجعلها منهجًا ربانيًا لتعمير الأرض، لا نقصان فيه ولا عيب.
وسأخبركم في هذا المقال عن بعض الأسباب التي جعلت بعض شباب الأجيال الحالية يتبعون تلك الأمم، ويتبرؤون من هويتهم العظيمة، ويلتحقون بمناهج فاسدة لأممٍ ضالة:
١. غياب القدوة الصالحة
يُعد غياب القدوة من أهم أسباب فساد الأجيال وضياعها وتشتّتها.
فالطبيعة البشرية تميل دومًا لاتخاذ قدوة في أمورها الدنيوية والأخروية، ومن أهم وسائل تربية الأجيال هو وضع القدوات الصالحة لهم في مراحل حياتهم المختلفة.
قال الله تعالى:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.
لكن للأسف الشديد، غفل الكثير من المربين عن هذه الآية الكريمة، وغفل عنها الكثير من الشباب، فأصبحوا يتخذون الأكثر مالًا وشهرةً قدوةً لهم.
ونسوا الخصال الكريمة مثل النخوة، والمروءة، والعزة، والشرف، والإيثار، والكرم، والشجاعة، التي تجلّت كلها في قدواتنا الإسلامية، ابتداءً من النبي محمد ﷺ، ثم الصحابة، ثم التابعين والصالحين.
وترى الكثير من الفتيات اليوم يتخذن قدوة من تتخضع بالقول، وتتمايل، وتعرض نفسها كسلعةٍ للجميع، بينما يتركن نساء مثل عائشة، ومريم، وهاجر رضي الله عنهن جميعًا، اللاتي كنّ وسيبقين إلى يوم الدين رمزًا للعفة، والكفاح، والصبر، وتحمل المسؤولية، وتأدية الرسالة على أكمل وجه.
٢. الجهل بتاريخ أمتنا العظيم
تتعرض أمتنا في هذا الزمان لأكبر حملة ممنهجة تهدف إلى تشويه تاريخها وحاضرها، تمهيدًا لتضعيفها، ثم إسقاطها.
ومن أهم وسائل إسقاط الأمم هو تشويه تاريخها، ومحوه من الأذهان. فالأمم لا يمكن أن تنهض بلا تاريخ.
بدراسة تاريخ أمتنا نزداد عزةً وفخرًا بها، وتتأصّل هويتنا الإسلامية فينا أكثر، فتصبح صلبة أمام الشبهات، ولا تنكسر أمام سخرية الآخرين وكيد أعداء الدين.
ومن خلال دراسة التاريخ أيضًا، نتجنب أخطاء السابقين، ونتّبع ما كان سببًا في ازدهار الأمة وقوتها.
ففي التاريخ عبرةٌ لأولي الأبصار، ونجاةٌ لأولي الألباب. وما غضّت أمة الطرف عن ماضيها وأهملته ونسيته، إلا ضيّعت حاضرها، ودمّرت مستقبلها.
٣. تعلق القلوب بالدنيا
من أعظم ما حذر منه النبي الكريم ﷺ طوال دعوته، وفي خطبته في الوداع، هو تعلق القلوب بالدنيا، حيث قال:
“فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم”.
وكان من دعائه ﷺ:
“ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا مبلغ علمنا”.
وهذا لا يعني ترك العمل وطلب العلم والرزق، فقد حثّ الإسلام على إتقان العمل، ومن أسباب خلق الله للإنسان هو تعمير الأرض.
لكن الخطر هو أن تُقدَّم الدنيا على الدين، فهذا هو طريق الهلاك.
ترى ديار المسلمين – إلا من رحم ربي – ساكنة هادئة وقت صلاة الفجر، فإذا مضت ساعتان تبدّل الحال إلى نشاط وحركة؛ لأنه وقت العمل والمدارس.
ثم ترى الجميع يتنافس في الشهرة، واقتناء الأغلى والأفخم، بينما القيم الدينية والأخلاقية أصبحت أمورًا ثانوية في حياتهم، بل قد يتحرّج البعض من الحديث عنها أصلًا.
لذلك، بدأ كثير من أبناء الجيل المعاصر ينسلخون من هويتهم الإسلامية ومنهجها الإصلاحي والإعماري، الذي حقق توازنًا رائعًا بين الدنيا والآخرة، واتجهوا إلى مناهج دنيوية توافق أهواءهم، وتعدهم بسعادة لحظية لا تدوم.
هويتنا الإسلامية ليست ماضٍ مضى، بل هي مستقبلٌ لا يموت، ومنهج حياة لا يتقادم.
علينا أن نعيد بثّ الروح في هويتنا، بتربية الأجيال على القيم، وتعريفهم بتاريخهم المجيد، وتقديم القدوات الحقيقية أمامهم.
فكل هوية بلا جذور، مصيرها إلى الزوال.
أما الإسلام، فله جذر ثابت، وهو الأصل، وهو المستقبل.






مقال رائع وفي الصميم بارك الله فيك
وإلى الأمام دائما يا مريم
مقال رائع وفي الصميم
إلى الأمام دائما يامريم
مقال رائع وفي الصميم بارك الله فيك
يا مريم