مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

الفصل السادس: حين تعثّرت للمرة الأولى بقلم الكاتب هانى الميهى

الفصل السادس: حين تعثّرت للمرة الأولى
الكاتب هانى الميهى

لم يكن السقوط مفاجئًا…
لكنني لم أكن أظنه سيحدث لي.
كنت أعتقد، في أعماقي،
أنني مختلف عن الآخرين.
أنني سأستمر،
أنني سأنجو،
أنني سأصل… مهما حدث.
لكن الحياة لا تعترف بهذه القناعات.
هي لا تختبرك حين تكون مستعدًا،
بل حين تظن أنك لن تُختبر أصلًا.
في البداية،
كان الأمر بسيطًا.
إرهاق زائد،
تركيز أقل،
أخطاء صغيرة.
أشياء يمكن تجاهلها…
أو هكذا أقنعت نفسي.
قلت إنها مرحلة عابرة.
وأنني فقط بحاجة إلى دفعة جديدة.
لكن الحقيقة…
كانت تتحرك في اتجاه آخر.
لم أعد بنفس السرعة،
ولا بنفس الحماس،
ولا بنفس القدرة.
كنت أضغط…
لكن النتيجة لم تعد كما كانت.
وهنا بدأ القلق.
ليس القلق الطبيعي،
بل ذاك الذي يأتي حين تشعر
أن شيئًا ما ينهار…
ولا تستطيع إيقافه.
حاولت أن أسيطر.
أن أعود كما كنت.
أن أسترجع النسخة التي أعرفها.
لكنني لم أكن كما كنت.
وهذا…
كان أول تصدّع حقيقي.
في أحد الأيام،
لم أستطع أن أُكمل.
ببساطة…
توقفت.
ليس قرارًا،
بل عجزًا.
جلست،
وأنا أشعر بثقل غريب.
كأن كل شيء داخلي
قرر أن ينسحب في نفس اللحظة.
لم يكن هناك انهيار درامي،
ولا مشهد واضح.
فقط…
فراغ.
فراغ من الرغبة،
من الطاقة،
من المعنى.
نظرت إلى كل ما كنت أفعله،
ولم أشعر بأي ارتباط.
كأنني أرى حياة شخص آخر،
وأُطلب مني أن أستمر فيها.
حاولت أن أتحرك…
لكنني لم أستطع.
ليس لأنني لا أعرف ماذا أفعل،
بل لأنني لم أعد أريد.
وهذا كان جديدًا.
أنا الذي كنت أركض دائمًا،
أصبحت فجأة… بلا رغبة.
حاولت أن أقاوم هذا الشعور.
أقنعت نفسي أنه ضعف مؤقت،
وأن عليّ أن أتجاوزه.
لكن كل محاولة كانت تزيدني سقوطًا.
كلما ضغطت أكثر،
انهرت أكثر.
وهنا بدأت الحقيقة تتكشف،
بوضوح مؤلم:
أنني لم أكن قويًا كما ظننت،
بل كنت فقط… مستمرًا.
والاستمرار…
ليس قوة دائمًا.
أحيانًا يكون تأجيلًا للسقوط.
كنت أهرب من التعب،
لكنني لم أكن أتعامل معه.
كنت أركض فوق الألم،
لكنه كان يتراكم… في الداخل.
حتى لم يعد هناك مكان لتحمّله.
وفي تلك اللحظة،
لم يعد السقوط احتمالًا…
بل واقع.
لم أفقد شيئًا محددًا،
لكنني فقدت القدرة على الاستمرار.
وهذا…
كان كافيًا ليهز كل شيء.
كنت أظن أنني أتحكم في حياتي،
لكنني لم أكن أتحكم حتى في نفسي.
لم أكن أعرف كيف أتعامل مع هذا الوضع.
لم أتعلم التوقف،
ولا الفشل،
ولا السقوط.
كل ما تعلمته…
هو أن أستمر.
والآن…
لم أعد أستطيع.
جلست في صمت،
لا أفكر في المستقبل،
ولا في الماضي.
فقط… أحاول أن أفهم
ماذا يحدث.
لكن لم يكن هناك تفسير واضح.
فقط إحساس ثقيل،
بأن شيئًا ما انتهى.
لم يكن هذا نهاية الطريق،
لكنني شعرت وكأنه كذلك.
لأنني لم أكن أملك خطة بديلة.
كل شيء في حياتي
كان مبنيًا على الاستمرار.
والآن…
لم يعد هناك استمرار.
وهنا،
ظهرت فكرة لم أكن مستعدًا لها:
ماذا لو لم أعد كما كنت أبدًا؟
سؤال بسيط…
لكنه كان كفيلًا بأن يربكني تمامًا.
لأن “كما كنت”…
كانت كل ما أعرفه.
بدونها،
لم أكن أعرف من أنا.
وهذا…
كان السقوط الحقيقي.
ليس فقدان القدرة،
بل فقدان الهوية.
جلست مع هذا الشعور،
رغم أنني لم أكن أريده.
لم يكن لدي خيار آخر.
ولأول مرة منذ وقت طويل،
لم أركض.
لم أستطع.
وهنا،
في هذا التوقف القسري،
بدأ شيء مختلف يحدث.
شيء لم أخطط له،
ولم أتوقعه.
بدأت أرى…
ببطء.
أرى نفسي،
اختياراتي،
الطريق الذي كنت أسير فيه.
لكن الرؤية لم تكن مريحة.
كانت صادمة.
لأنها كشفت شيئًا واضحًا جدًا:
أنني لم أكن أعيش كما أريد،
بل كما تعودت.
وهذا الإدراك…
لم يكن مريحًا.
لكنه كان حقيقيًا.
والحقيقة،
حتى لو جاءت متأخرة…
تظل بداية.

رسالة الفصل:
أول سقوط في حياتك…
ليس دليل ضعف،
بل أول لحظة ترى فيها الحقيقة دون إنكار.

تمهيد الفصل القادم:
لكن السقوط لم يكن هو الأصعب…
الأصعب كان أن يحدث كل ذلك،
دون أن يلاحظه أحد.