مجلة ايفرست الادبيةpng
...

مجلة ايفرست

مجلة ايفرست الأدبية

العطاء المفرط يعلّم الاتكالية

بقلم الدكتورة/اسلام محمد
استشارية الصحه النفسيه والإرشاد الاسري والزواجي ودكتوراه في التنميه البشريه وتطوير الذات وعضوة بمنظمه حقوق الإنسان وصاحبه كتابي البحث عن الذات و كتاب طوظ
العطاء قيمة إنسانية نبيلة، وركيزة أساسية في بناء العلاقات الصحية والمجتمعات المتماسكة. غير أن هذه القيمة، حين تُمارَس بلا وعي أو حدود، قد تنقلب من فضيلة إلى عبء نفسي واجتماعي، ليس فقط على من يُعطي، بل على من يتلقى أيضًا. فالعطاء المفرط لا يصنع أشخاصًا أقوياء ممتنين، بل كثيرًا ما يخلق شخصيات اتكالية، عاجزة عن تحمّل المسؤولية، ومعتادة على الأخذ دون مقابل.
العطاء الصحي هو الذي يوازن بين الحب والوعي، بين الدعم والتمكين. أما العطاء المفرط فهو ذاك الذي يُقدَّم بدافع الخوف من الفقد، أو الرغبة في القبول، أو الشعور بالذنب، أو اعتقاد خاطئ بأن التضحية المستمرة دليل على النبل والإنسانية. في هذه الحالة، يتحول العطاء إلى سلوك قهري، يُفقد صاحبه ذاته وحدوده، ويُعلِّم الطرف الآخر أن الاعتماد على الغير أسهل من الاعتماد على النفس.
حين يعتاد الإنسان أن يجد من يحلّ له مشكلاته، ويتحمل عنه نتائج أفعاله، ويمنحه الدعم بلا مقابل أو شرط، فإنه يتوقف تدريجيًا عن المحاولة. فالعقل البشري بطبيعته يميل إلى الطريق الأسهل، والعطاء المفرط يوفّر هذا الطريق دون أن يشعر. وهكذا تنشأ الاتكالية، لا كعيب فطري، بل كسلوك متعلَّم تغذّيه العلاقات غير المتوازنة.
المشكلة الأخطر أن الشخص المعطاء مفرط العطاء قد يشعر مع الوقت بالإرهاق، والاستنزاف، وعدم التقدير، بينما يشعر الطرف الآخر بالاستحقاق الدائم، وقد يصل به الأمر إلى الغضب إذا توقّف هذا العطاء أو خفّ. وهنا تتحول العلاقة إلى علاقة استغلال مقنّع، يُقدَّم فيها العطاء على أنه واجب، لا اختيار.
العطاء الواعي لا يعني القسوة أو الأنانية، بل يعني أن نُعطي دون أن نلغي أنفسنا، وأن نساعد دون أن نسلب الآخر فرصة التعلّم والنمو. فالحرمان أحيانًا يكون أرحم من العطاء، حين يكون العطاء سببًا في تعطيل النضج وتحميل الآخرين مسؤولياتهم.
من الحكمة أن نُدرك أن من نحبهم لا يحتاجون دائمًا إلى من يفعل عنهم، بل إلى من يثق بقدرتهم على الفعل. وأن الدعم الحقيقي هو الذي يعلّم الاعتماد على الذات، لا الاتكاء الدائم على الغير. فالعطاء حين يكون في مكانه الصحيح، يبني إنسانًا قويًا، أما حين يُفرَط فيه، فإنه – دون قصد – يعلّم الاتكالية ويُضعف الجميع.