كتب: محمد النور عبدالله أحمد
الوحش
-وماذا حدث بعد ذلك؟
-تركت المبنى بعد أسبوعاً من الحادث، لم أستطع تحمل ما حدث، يطاردني خيالها في كل ركن في الشقة، يكاد يقتلني صوتها، ينادي بكل وضوح هيا تعال، كنت اصرخ هرباً منه.
ظن الجيران أنى قد أصابني الجنون، ذهبوا إلى البواب ينصحوه بأن يأمرني أن اترك الشقة، وإلا ازدادت حالتي سواء، كان يعلم أني أكن لشهد الود والاحترام.
جلس يحدثني عنها لساعات طوال، منذ ولدتها في المنيا، وما حدث لها بعد وفاة أمها، لم أره من قبل بهذا الضعف الممزوج بحسرة الشوق والندم، فكلانا يعلم أنه قاسي القلب، كانت شهد تقول: أبي هذا عديم المشاعر.
ها هو الآن يبكي أمامي، يبكي بعد فوات الأوان، ماذا ينفع الندم بعد فراق المحبوب؟!، لربما قضى شبابه وهو يلهث وراء النساء، يعترف بحبه لهن، ولكنه عاجز أن يعترف بحبه لبنته، ماذا تفيد الدموع! ومع ذلك لو علم أنها كانت ترتمي في حضني؛ لقتلني، و قطَّع جثتي و رمى به في صحاري الجيزة.
دفع إلى بورقة، قال خذ هذا الرقم لسيدة تملك شقة صغيرة في السيدة زينب، اتصل عليها، واعلمها أنك من طرف الحاج سعيد، وقال لي لا ينفع الموتى إلا الدعاء، ماتت شهد ولم يبقى لنا غير الدعاء.
ام اسلام سيدة مصرية في ربيعها الأربعين وما زالت أزهار جمالها تتفتح، لها عينان خضراوان، قمحية اللون تميل إلى السُمرة، مقعرة الخصر، ممتلئة الفخذين، كانت لطيفة تقول:
(خالد انت زي ابني ادقع فلوس الايجار براحتك بس ما تنسش تدفع الفواتير في زمنها).
كانت تأتي في كل مساء بحجة، أو بأخرى، تجلس تحدثني، كانت كثيرا ما تسألني عن طبيعة الحياة في السودان، والمعالم التاريخية واهرامات الفراعنة في منطقة النوبة.
وبدأت ألفق لها الأكاذيب، وصورة لها أني بطلٌ ولد في إحدى القرى في الريف، وتربى وتعلم بين خلاوي المشايخ الصوفية، ولما فرقت منهم، انتقلت إلى ضواحي العاصمة السودانية، ومن ثم قُبلت في منحة دراسية إلى جامعة القاهرة، أريتها صورةً لي في إحدى مناسبة التخريج، قلت لها: هذا عندما فزت بجائزة الطيب صالح للإبداع القصصي.
كانت كثيرا تحب سماع مني أحاديث الحياة الريفية في السودان، رغم أنها لم تحظى بحياة ريفية قط، قالت:
أمي كانت من ضواحي سوهاج، و أبي أيرلندي الجنسية أتى في خمسينيات القرن الماضي، تزوج أمي من جدي العمدة، وعندما توفي جدي، عاد كل من أخواتي يعتنون بجدتي، وبقيت أنا مع أمي وأبي، درست علم الآثار هناك وعدت إلى القاهرة؛ لأكمل بحثي، وتزوجني فيما بعض رجلٌ (اسكندراني)، ترعرعت في مدينة ليمريك التي تبعد عن العاصمة دبلن حوالي ثلاث ساعات، ورغم جمالها الطبيعية ومعالمها، فضلت العيش في القاهرة.
اعطتني مشاعر الحنية، بيد أن وغد كنت أرى في عينها شلالات أيرلندا، والنيل ينبع من شفتيها؛ ليُسقي تلك الفاكهة على صدرها، كانت عندما تدخل الشقة، كغزالة دخلت أرض أسد جائع، نابي هو المتعة، قالت بصوت أقرب إلى الضعف انت يا خالد رغم صغر سنك لكنك تملك وتداً؛ يروي ثُملة كل امرأة، صبيةً كانت أو غيره؛ فها أنا في آواخر ربيعي، وبعد أن أنجبت سبع أبناء؛ تعاملني كما تعامل فتاة في بداية ربيعها.
كنت أتعمد إزاء ريم، وأرى الغيرة والغيظ في عينيها، قلت:
الحب يا ريم غذاء الروح، و مثل هذا الغذاء لا يعطى للوحوش؛ فهي متى ما جاعت تدري كيف تصيد غذاءها.
لكنها قالت بصوتٍ أرعبني أنت وحش، بيد أنك لم تجد فريسةً تُشبعك هيا تزوجني يا وحشي المدلل.
زواج! لم أكن أدري أن العشق يحول الإنسان إلى شخص غبي لا يدري ما يقول!






المزيد
حين يتكلم الصمت: بقلم: سعاد الصادق
ضوء هادئ
الكنز : بقلم: سعاد الصادق