كتبت منى محمد حسن:
ينزل من سيارةٍ فارهةٍ، بابتسامةٍ كبيرة يُنادي بائعًا متجولًا_ المناديل، المناديل_ يُصافحه كأنه أحد أعوانه، لم يفاصل في السعر اشترى كل ما يمكن شرائه ثم دخل إلى مقر العمل.
رجلُ أعمال من الطبقة السامية إنه رئيس لمجلس إدارة شركات ومحال تجارية ومعارض سيارات، اليوم المؤتمر الأول للتعريف به.
يجلسُ مقابلٌ للجمع الغفير الذي ينتظر فقط إشارة منه، جُلهم خريجي جامعات مرموقة متأكدون أنه قدوتهم.
_ بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مُروا حُبًا بأولى جلسات الوُد بيننا، إنني سعيدٌ كل السعادة بوجودي أمام من يمكنهم بشهاداتهم الجلوس مكاني، وبعقولهم الجلوس فوقي، وبعد: أُدعى باسمي لا باسم أبٍ ولا أمً؛ فما لا تعرفوه عني، أني من الذين خاضوا المعارك بأنفسهم، نمت مرات على الأسِرة حين أمسكت بأول مرتبٍ لي بعد التخرج، ولم أعد كم مرة نمت على الأرصفة، ضُربت مراتٍ كُثر، ظُلمت، نوديت بالسارق أكثر من اسمي ولا باقٍ لي ولا أريد أن أعلمه؛ فأنا ابن تلك الساحات الفارغة ليلًا من المارة، الضاجة صباحًا بمدعيي المثالية مثلكم!
إخوتي كثيرون، اليوم قابلت أحدهم خارجًا، كنت الأقوى بينهم فعملت حتى دخلت عنوة المدارس، ساعدني معلمي، ورئيس إدارتي اليوم حُبً وتقديرًا له.
عندما أتت الامتحانات عملت ليلًا وإرتدت المدرسة صباحًا، عايرني أحدهم أن ملابسي ممزقة ولا أحمل حقيبة؛ فكان أول مشاريعي مصنعٌ للحقائب والملابس المدرسية، دخلت الثانوية فطردني صاحب العمل، جلست ثلاثة أشهر أذهب للمدرسة دون طعام لم اخجل يومًا بأني الأسوء حالٍ من غيري، سألني صديقي أين والدك؟
أجبته متعففًا لقد مات، وأنا لا أعلم إن كان اليوم بينكم أم لا، ثم بحثت وبحثت عن عملٍ آخر حتى وجدت نفسي عند ورشةِ للحِدادة، ذاك الرجل الذي هو الآن يُدير مصنع الحديد الأول في البلاد بعضكم هُنا لأتوسط له عنده؛ لأن بعضكم يظنونه والدي، وهو والدي، الذي كلما اقترب موعد مذاكرتي امسك العمل عني وجعلني أذاكر، فتخرجت باسمه وهو أمامي ينتظرني استلم شهادتي الأولى.
الجامعة شيءٌ آخر، ارتديت مثل البقية من الملابس، كنت اضعها عند مكان الغسيل ألبسها ثم أعيدها مكانها، فأنا لا بيت لي كما علمتم في تلك الفترة…
لم أجد في سوق العمل مكاني، فخلقت مكانًا لي بنفسي وزملائي البسطاء مثلي، نجحنا حتى انشق أحدهم وتفرد بالزبائن فهبط سوقنا!
جاءتني الفرصة، عملٌ في حسابات شركة صغيرة بدأت بها والآن هي إحدى فروع شركاتي.
الحياة يا رفاقي تُحب المحاربين الشجعان، اليوم أنا هنا بلا عائلة من دمي، ولكن عائلتي الأخرى موجودة من ساهموا بوجودي الآن وأنا شخصٌ وإنسان دون البشر، فالفرق بين الإنسان والبشري المشاعر، هل من سؤال؟!
= وماذا عن الدُور التي قمت بفتحها؟
_ للذين هم مثلي لمن لا بيت يحتضنهم ولا مكان يأويهم لم أجد من يأويني فأويتهم حين أصبح بيدي المفتاح.
= والمدرسة التي تُدرسهم مجانًا؟
_ ليعملوا ويدرسوا، لا سلاح لهم غير أنفسهم.
= كُنت أظنك متكبرًا حتى رأيتك قبل قليل تصافح أحدهم!
_ أخي الأصغر، لن أنسى يومًا أنني منهم…
لأبطال الشوارع لمن ينامون عند الأرصفة ويبحثون عما يسد رمق جوعهم، للذين لا يعلمون أين أهاليهم، لثمار الحروب، فاقدي السند، لأحبائي الذين أنتظر يوم مساعدتهم: باسم الله على حياتكم وانفسكم.






المزيد
يوم النجاح
فتاة الأقحوان
عبر الزمن المجهول