كتبت منال ربيعي
في ليلة شتوية قاتمة، احتشد طاقم مستشفى مانهاتن في غرفة الاجتماعات. كانت الأجواء مشحونة بالخوف والارتباك، ووجوههم تتصبب عرقًا رغم البرد القارس. على الطاولة، وضعت حقنة صغيرة مليئة بمادة قاتلة، حلًا اقترحه الجميع لإنهاء الكابوس الذي أتى بهم إلى هذا الاجتماع.
الطبيب إلياس، المشتبه الأول بأنه مصدر تفشي الفيروس القاتل، كان معزولًا في جناح خاص، بعيدًا عن زملائه الذين أحبوه يومًا كأخ لهم. لكنه الآن عدوهم، أو هكذا ظنوا.
إيرين، طبيبة الأمراض المعدية، كانت الوحيدة التي رفضت الانضمام إلى جوقة الخوف. جلست في زاوية الغرفة، تنظر إلى الحقنة بعيون غارقة في الذهول. إلياس لم يكن مجرد زميل. كان رجلًا دخل قلبها دون استئذان. كيف يمكنها أن تكون جزءًا من هذا القرار؟
تحدث رئيس الأطباء بصوت هادئ لكنه صارم: “لا خيار أمامنا. إذا لم نقتله، قد نفقد المدينة بأكملها.”
وقفت إيرين ببطء، ثم قالت: “كيف لنا أن نقتل من لم نحاكمه بعد؟ هل نعرف حقًا أنه المذنب؟”
رد أحد الأطباء بغضب: “الفيروس انتشر بعد إصابته، ألا يكفي هذا دليلًا؟”
لكن كلماتها لم تهز قناعاتهم. تسللت إيرين إلى جناح العزل، حيث كان إلياس جالسًا على سريره، شاحبًا لكنه ما زال يحتفظ بكرامته. نظر إليها بعينين مرهقتين، وقال: “هل أتيت لتوديع قاتل؟”
هزت رأسها بحزن. “لا، أتيت لأسمع الحقيقة.”
روى لها إلياس عن المريض الغريب الذي جاء إلى المستشفى قبل أسبوع، يحمل جسده بثورًا وتقرحات غريبة، ولم يلبث أن فارق الحياة. إلياس، الذي حاول إنقاذه، أصيب دون أن يدري.
دون أن تُفكر مرتين، أخذت إيرين عينة من دمه، وعادت إلى المختبر. عملت طوال الليل، والدموع في عينيها. واكتشفت الحقيقة: إلياس لم يكن مصدر العدوى، بل ضحية مثلهم تمامًا.
عندما عادت إلى الغرفة، كانت حقنة السم قد اختفت. هرعت إلى جناح العزل، حيث وجدت إلياس مستلقيًا، يتنفس بصعوبة. صرخت بأعلى صوتها: “لقد كنتم مخطئين! إنه بريء!”
لكن الأوان كان قد فات. توفي إلياس بين ذراعيها، تاركًا وراءه سؤالًا يتردد في أذهان الجميع: هل الحب أقوى من الخوف؟ وهل كان الواجب حقًا يستحق كل هذا الثمن؟
لم يكن مقتل إلياس نهاية الوباء، بل بداية لأسئلة عميقة عن الإنسانية، الحب، والعدالة.






المزيد
السند الحقيقي بقلم الكاتبة إسراء حسن عبدالله
الخوف الذي أنقذنا… ثم سجننا بقلم الكاتب هانى الميهى
هيباتيا بقلم كلثوم الجوراني