ميار عبد الراضي تكتب…
ليست كل اللغات تُقال، بعضها يُطبخ.
ثمة حبّ لا يُعلن بالكلمات، بل يُسقى بالماء، ويُقشَّر بالبصل، ويُطهى على نار هادئة كأنه دعاء صامت لا يُقال إلا بالأيدي.
الطبخ، في جوهره، ليس مجرد إعداد طعام يسد الجوع، بل هو فعل حُبٍّ متوارٍ خلف الروائح والبهارات، خلف التعب الصامت واليد التي لا ترتجف، حتى وإن كانت ترتعش من الإنهاك..
تخيل أن المطبخ ليس مساحة للإنهاك، بل مسرحًا صغيرًا تُعاد فيه كتابة الحكاية كل يوم.
فيه تقف امرأة – أو رجل في بعض الحكايات – لا كمن يؤدي واجبًا، بل كمن يُنصت لصوت داخلي يقول: “أحبك، فاطمئن”.
اليد التي تلتفّ على المقلاة، والعين التي تراقب الغليان بصبر العاشق، والأنف الذي يميّز روائح الأمان…
كل ذلك ليس احترافًا للطهي، بل انتماء لفكرة أن الحب يمكن أن يُسكب في ملعقة.
حين تقطع الطماطم بدقة، لا تفعل ذلك لأنها ماهرة فقط، بل لأنها تعرف أنك لا تحب القطع العشوائية.
حين تُضيف الملح في اللحظة الأخيرة، تفعلها لأنها حفظت ملامحك حين تذوقت طعامًا كان ناقصًا في يومٍ ما.
وحين تنتظر حتى تنضج الوصفة دون استعجال، فإنها تمارس أعلى درجات الصبر، لا من أجل الطبق فحسب، بل من أجلك.
الطبخ هو استحضار لذاكرة ممتدة عبر الأجيال، ذاكرة لا تسكن الكتب بل تسكن الأرواح.
هو استدعاء لا شعوري لكل الأمهات اللاتي طبخن بدافع الحنان، ولكل الجدات اللاتي مرّرن وصفات عبر اللمس والذوق والنظر، لا عبر الورق.
كل وصفة تحمل معها ظلّ ابتسامة، أو دمعة كانت تسقط دون أن يراها أحد على قدر الغليان.
ولا عجب أن كثيرًا من ذكرياتنا ترتبط برائحة.
رائحة البصل المقلي في صباح شتوي، رائحة الكيك في انتظار عيد ميلاد بسيط، أو طاجن دافئ عشناه في حضن الطفولة.
نحن لا نأكل فقط… نحن نستمتع.
في عالمٍ أصبح فيه كل شيء سريعًا ومعلّبًا، تظلّ مائدة الطعام المُعدة بحبّ، فعلًا مقاوِمًا ضد الجفاف العاطفي.
الطبخ ليس رفاهية، بل وسيلة اتصال عالية الحساسية، تقول: “أنا هنا، من أجلك، حتى في صمتك”.
فإن جلستَ يومًا أمام صحن بسيط، وشعرت بأنك محبوب دون أن يُقال لك شيء، فاعلم أن أحدهم تحدّث إليك بلغة لا تنطق، لكنها تُشبع.
ولعل أعظم لغات الحب، هي تلك التي لا تُدوَّن… بل تُذوَّق.






المزيد
إذا صلحَ الاختيار – تغيّرَ المسار
فلسفة الصدق الفني: لماذا يفشل المبدع حين يغترب عن بيئته؟
تكلفة الإنذار المبكر