كتبت: زينب إبراهيم
مررت ذات مرة بصديق لي كان يجلس وحيدًا ويبدو على وجهه العبوس يملأه الشجن أيضًا؛ لذلك ذهبت إليه واستخبرت عن حالته تلك، فكانت إجابته وهو ينظر إلى الفراغ ” لا شيء” لكن لم يروق لي تلك الحالة التي تكسوه؛ فطرأت على ذهني فكرة حينما سألته: لما أنت لست سعيد؟ أجابني بسؤال كأنما أنصت إليه أول مرة منه: وما هي السعادة؟
إذنً علي التصرف حالاً، فقلت له أجلب لنا بعض العصائر؛ حتى نرتشفها في ذلك الطقس الحار، حيثما هو يجلبها بدأت في تنفيذ الفكرة التي جاءت إلى ذهني عندما رأيته حزين وعندما عاد بدأت أشرب عصير المانجو المفضل لدي بنهم وطريقة نوعًا ما كانت مضحكة جدًا؛ فبطرف عيني لمحته يبتسم وعندما نظرت إليه تلاشت تلك البسمة وقلت في قرارة نفسي: جيدًا بدأت بذلك الحكم.
بعد انتهاء من شرب العصائر أخذت بعض الأوراق التي دونت عليها بعض الأحكام، فهي تلك لعبتي التي أحبها ومن الجيد أنها لا تلعب بلاعب واحد؛ لذلك قلت له بعد أن وجده ينظر بلا مبالاة عما فعلته: هيا اسحب بعض البطاقات وقم بتنفيذ ما تجده فيها، فرد دون أن يبالي بالحماس الذي ارتسم على محياي: لا أود اللعب إنني أريد العودة إلى منزلي ألعب أنت بمفردك؛ لكنني لم آبه بكلماته تلك، فقلت بعدما سحبت البطاقة وأعطيتها إليه: إنها تلعب بلاعبين وليس واحدًا لن أستطع اللهو بمفردي حينها سحب البطاقة وكانت تحوى على ” أسرد لي آخر موقف لك جعلك تبتسم ورأيته مضحكًا ”
تعجب من هذا الحكم ظن أنني رأيته حين ابتسم علي، فقال وهو يشعر ببعض الاحراج: عندما كنت ترتشف عصير المانجو منذ قليل كانت هيئتك مرحة كطفل صغير يلتهم حلوى بنهم وابتسم جراء وصفه ذلك؛ فقلت له وأنا أيضًا أقهق: حقًا كنت كذلك، فأنا أعشق المانجو؛ لذلك جلبتها لي يا صديقي، قام هو بدوره بسحب البطاقة واعطاها لي تلك المرة كانت عبارة عن ” سر مع اللاعب الآخر بالطريق تارة، واقفز تارة أخرى، وقم بأداء حركات تلقائية وبطلاقة تعجب من حولك أو تقوم على إثرها بفعل ردة فعل تلفت الانظار إليك”
قلت في تعجب: ما ذلك الحكم؟
نظر هو إلي وقال: ماذا هناك؟
قلت له الحكم وأنا أبدو حيران منه؛ لأرى هل سيفعل هو كذلك الحكم أم لا؟
قال: لا أريد فعل ذلك إنني سأذهب كفاني أحكامًا إلى الآن، فأجبته: لما؟ هذا كان فقط حكم واحدًا إليك يبدو أن الأمر مسليًا هيا بنا لنفعله ونعود مجددًا إلى هنا.
بدأ يسير معي مرة وفي الآخرى يرقض ويلتف حول ذاته تلقائيًا وفي تلك اللحظة وجدنا بعض الشباب يغنون ويرقصون؛ فذهبنا إليهم وأخذنا نتناغم معهم ومع الموسيقى، لكن رفيقي في بادئ الأمر لم يعجبه وبدا أنه يريد الرحيل ويتردد في ذلك؛ أما أنني دفعته للتناغم معهم، فأخذت أقفز في الهواء واصفق بيدي تارة وألوح بالآخرى، فهو أخذ يقلدني وهو يبتسم قلت له في حيرة التي بدت عليه، فهو انطوائي بطبعه: أترك ذاتك يا عزيزي، فهي قادرة على التأقلم بطلاقة لا تأسر نفسك وروحك في ذاك القفص على هيئة التردد عندما أنصت إلى كلماتي تلك وهو يريد فعل ذلك؛ لكن يحجبه التردد قام بأخذ نفس عميق تعجبت منه، فهذا ليس اختبارًا إننا نلهو فحسب رأيته وهو بدأ حقًا بتنفيذ ما قلته كأنه شرط من شروط ” لعبة الأحكام” سرعان ما أطلق لذاته العنان للشعور بالأجواء والمرح تخلله، فكنت سعيدًا جدًا وبدأت في رفع يداي إلى الهواء والقفز؛ لأنني لا أعلم طريقة سيرهم مع كلمات الموسيقى أو تلك الحركات التي يقومون بها، ولكن صديقي الذي لم يظهر الجانب المرح منه كان على دراية بذلك؛ لأنه قام بفعل حركات مع التصفيق كالدوران حول ذاته ويحرك قدميه بحركات مرحة للغاية، فهو كان كطفل أول يوم بالعيد وكان سعيدًا للغاية بدى بطريقته الطبيعة والطابع الخاص الذي كان يتحلى به ولم أره من قبل؛ أما عن الآخرين التفوا حوله وأصبحوا يصفقون بانبهار، بل أعجبوا بحركاته للغاية كانوا يقلدونه ولم يستطيعوا الوصول لدرجته قط بعد شعورنا بالانهاك عدنا مرة أخرى؛ للعبة التي أحببتها أكثر من ذي قبل، فهي استطاعت اخراج صديقي من حالته التي كانت تؤدي إلى الاكتئاب لا محالة قلت وأنا أشعر بالحماس قد اجتحاني وهو أيضًا اعتراه بعض الحماس؛ لمعرفة باقي الأحكام والشعور ببعض السعادة التي نالها في الحكمين الماضيين، فأردفت وأنا أسحب البطاقة: دورك يا عزيزي، فأخذها وقال بصوت يبدو عاليًا بعض الشيء” اذهب للتعرف على أحد الأشخاص وأسرد له نصحية تبدو مجدية نفعًا معه”
قال رفيقي وهو متردد لا يريد فعله: أنا لا أعلم كيفية التعرف على الآخرين هل فعلت أنت ذلك الحكم عني؟
أجبت ببعض الثقة والبسمة ترتسم على وجهي: هذا دورك لما لا تجرب؟
ذهب إلى طفل صغير مر بجانبه رآه يبكي قال له: ماذا هناك يا صغيري؟ من ابكى عيناك الجميلة تلك؟
لم يجيبه الطفل وأخذ بالبكاء مجددًا، فلم يعلم صديقي ماذا يفعل؟ لذلك اشترى بعض الشكولاته والحلوى أعطاهم للصغير وهو يبتسم: أنت جميل والأناس الجميلة لا يليق بهم الحزن خذ تلك الهدايا مني إليك؛ حتى أرى ابتسامتك التي تسلب لبي من جمالها، فأجاب الطفل: أنت مثل أبي قبل أن يرحل كان يفعل ذلك معي ويقول لي مثل حديثك ذاك يا ليته يعود إلي، فلقد اشتقت إليه جدًا؛ أما عن رفيقي ذو القلب الحنون احتضنه وقال: هو لم يذهب، فهو معك الآن انظر إلى السماء هو يبصرك الآن وحزين جدًا؛ لأنك تبكي أتود أن يحزن والدك يا صغيري، امسح دموعك الغالية تلك على والدك قبل أن تكون غالية لدي أدعو له بالرحمة قل: رحمك الله يا ولدي، وأقرأ له سورة الفاتحة هل تحفظها؟
قال الصغير وهو أعجبته كلمات رفيقي: نعم، فأبي قام بتلقيني بعض سور القرآن الكريم؛ حتى أؤدي صلاتي بهم، فقام رفيقي بحمله: إذن أتلوا لي بعض السور التي حفظتها؛ حتى أستمع لصوتك العذب ذلك يا حبيبي، فقام الطفل بقراءة سور قصيرة وأعجب جدًا بصوته صديقي وأنا أيضًا؛ لأنه كان كما قال له عذب جدًا وعندما ينضج سيكون ذو صوتًا رقيق وجميل، فأنا من بعيد كنت أتابع ذلك الموقف الجميل بعدما أوصلنا الصغير لبيته وهو يشعر بالسعادة ويردد الرحمة لوالده وهو يسير قال إلينا: شكرًا لكم على تلك الحلوى الجميلة وأنت يا عماه، سلمت لما فعلته معي أبي كان يقول لي: عندما يفعل أحدًا معك معروف أو أي شيء عليك بشكره وأن تقول له ” سلمت” أجابه رفيقي: لم أجدي إليك معروف يا صغيري، فأنت جميل كما قلت لك بمعنى أنني لم أقل شيء من تلقاء نفسي، فابتسم وغادر إلى منزله وأنا أشعر بالفخر؛ لأن لدي صديق مثله في جمال قلبه قبل أفعاله، فنظر إلى بحيرة: ماذا هناك؟
قلت: أنت دائم التعجب هكذا هيا، فلنعود للعبة يا ترى هل اخذها أحد ويلهو عوضًا عني؟ ابتسم على إلقائي للكلمات بشكل مضحك وأنا كنت قاصدًا لها؛ حتى أرى ابتسامته دون أن يمحوها كما فعل في السابق.
عدنا مجددًا وأخذت البطاقة التالية وكانت ” قم بالاعتراف للاعب الآخر بإعتراف لم تسبق أن قمت به له أو لغيره”
قرأ هو الحكم وقال: إن لم تكن تريد فعله لا عليك.
قلت وأنا ابتسم: لما؟ هذا عاديًا ليس به شيء أو عسير، فأردفت: إنني فخور بك وأحبك كونك شقيقي، صديقي، عزيزي، والدي؛ لأنني تذكرت وفاة أبي عندما تحدثت مع الطفل الصغير وقمت بمواساتهِ أنت لم تتركني مطلقًا بمفردي ولم أشعر يومًا أنني وحيد؛ لأنك مؤنسي وشقيقي الذي لم تلده والدتي، فابتسم وقال: أنا أيضًا أحبك، فكيف لي أن أترك روحي؟ إنني شعرت بذلك عندما تقابلنا أول مرة أنك شقيقي صدقًا وإن لم أقل لك عما يحزنني؛ إلا إنني أراك أقرب شخصًا إلي وافقت على المضي معك، فأنا كنت أحتاجك بجانبي شكرًا لك أنك لم تتركني ورحلت حينما رأيتني حزين أجبته ببعض الدراما: أتريد أن أتتركك يا عزيزي، بعد تلك الفترة التي بيننا تود أن أتخلى عنك مطلقًا وقمت بإحتضانه، وأنا أضحك وهو كذلك قام بالضحك على أدائي المبالغ فيه؛ لأنه يقل ” إنني ممثل بارع”
قلت له: تلك كانت نهاية لعبتنا الجميلة يا رفيقي، هل تعلم الآن ما هي السعادة؟
قال: وجودك معي، فقلت أيضًا: تلك البسمة التي ترتسم على محياك هي أكثر جمالاً مما كنت أظنها أتعلم أنها ذات حظًا جميل من ستحظى بزوج مثلك، فنظر لي وقال: أنت كذلك يا حبيبي، ستكن محظوظة من تمتلك ممثل بارع له القدرة أن ينتشل الآخرين من هاوية الحزن ومضينا سويًا إلى المنزل شعرنا بالجوع بعدما لعبنا مباراة كرة قدم وبعد ذلك اليوم الطويل وفي حد ذاته جميلاً جدًا لن يمحى من ذاكرتنا ما حيينا، ولن أنسى ذلك الموقف مع الطفل الصغير الذي عاد مسرور إلى بيته بعدما كان يحتله البكاء المرير مع حزنه الذي تلاشى بفضل اللّٰه أنه أرسل صديقي له؛ حتى تعود ابتسامته إليه ثم صديقي الذي لن يستطع اظهار عدم الاكتراث للطفل الباكي مثلما يفعل الآخرين، فهو نظر له نظرة رحمة، واستطاع أن ينتشله من حزنه، ويعود مجددًا إلى منزله والبسمة تزين وجهه الملائكي.






المزيد
ضوء هادئ
الكنز : بقلم: سعاد الصادق
خالد ورحلة إلى الفضاء : بقلم: سعاد الصادق