كتب: محمد عبد اللوي
غُربة، هِجرة، بُعد كلمات تنبش في القلب مرارة مخبأة، وأملاً محفورا بألم؛ ألم فراق أحبة وأهل لا ينتهي، بحثٌ عن مستقبل محترم، تحصل فيه على أبسط ظروف العيش الكريمة.
أذكر قبل ثلاث سنوات، لم أكن أحمل أية فكرة عن الهجرة أو السفر خارج وطني وذلك؛ لمجموعة من الاسباب، أهمها تعلقي وخوفي على عائلتي التي تراني أملها و شعاع الفخر الذي تجابه له الأيام بحلوها ومرها، ويزداد اتساعا شسع مع الوقت، وخاصة أني اقضي معظم السنة غائبًا عن البيت، فلا أزورهم إلا في العطلات، و اغلب الأحيان تكون عطلات العيد (الفطر والأضحى) إضافة إلى حنيني؛ لبلادي وأنا فيها، فكيف إذا تركتها وذهبت دون رجعة؟ تحس بأن قطعة من فلذة كبدة، قد اجتثت رغمًا عنك؛ فلا يبقى لك سوى التأسف والحسرة، وبهذا لم أتجرأ على التفكير في الهجرة خارجًا، رغم أنني لطالما أحببت أن أكمل دراستي أو عملي بكندا، بسبب عشقي؛ لذاك البلد واهتمامي بثقافته وقوانين عمله.
هكذا بدأت الفكرة تتسلل إلى رويدًا رويدًا؛ لدرجة لم أستطع إيقاف زحف الفكرة داخل دماغي، فصرت أبحث عن أي فرصة قد أستطيع مغادرة البلاد بها، إذا لم يكن لتحسين ظروف عيشي، فالبحث عن أمل للحياة، الذي فقدته هنا في بلدي حبيبتي، وجعلته يتيمٌ في قلبي، كأن تتنفس دون هدف أو رغبة.
أتعرف ما هو أسوأ ما يمكن أن يموت فيك؟ هو موت الشغف دون رجعة؛ فلا تستطيب مكانًا، ولا زمانًا، ولا قانونًا؛ فتصير كالغريب في داره، تستأذن لعمل أبسط الأشياء، أو الاستفادة من خصوصياتك أو حرياتك الشخصية؛ فترى حياتك مثل رف يملؤه من كان دون رغبة أو حق متاهة دون قلب.
متاهة الحياة العجيبة؛ طاحونة تجعلك تلُّف داخل تخومها، تعصرك؛ لِحدِّ الهُزال، تُصيبك بانقباضٌ في كامل اطرافك، وتحملك على هزّ أشواك الحياة الثقيلة؛ لكن ليس هذا موضوع فكرتنا، الأمر أهم وأعمق من ذلك بكثير، فيه اختلط الحابل بالنّابل، وتشابهت الصور؛ حتى لم تعد للعين قدرة على معرفة الحقيقي من المزيّف، والمُلَّون من الباهت، والواقعي من الخيالي.
هي قصة قلبٍ تقاذفته أمواج المشاعر، وأسقته مُرّها وحُلوها، خيرها وشرَّها، عَسلها وعَلقمها؛ حتَّى ظنَّ ذلك القلب أن لا مخرج ولا مفر، وأنّ المواجهة هي السبيل؛ لانعتاقه من عبوديّة الشعور و قهر النّدم وحُرقة القرار؛ ذاك القرار الذي جعله حَبيس نفسه، حبيس تلك اللَّحظة التي تَلّفَظ بقناعاته وتراكُمات حياته؛ بل أكثر من ذلك صار يفكّر بدل المرة ألفًا، ويخلط بين النّهار واللّيل، والصبح والمساء، والأكثرُ من ذلك بين الحب والصداقة، بين البُعد والاقتراب، بين الاهتمام والتّجاهل أو عدم الاكتراث.
تتعدّد المُسميات والمعنى واحد، قافلةٌ من العواطف المُلخبطة، وأسرابٌ من الأسئلة الدّاكنة المَمْلوءة خوفًا ورهبةً.
نسأل أنفسنا أحيانًا ونعيد السؤال مرارًا وتكرارًا، هل الراحة في البُعد الذي يتبعه حزنٌ وقهرٌ؟أم الراحة في البقاء على جنب، كَمُحارب لا يعلم كيف يموت، وبأيّ أرض سيموت؟
هكذا دخلت في دوامة افكاري، وهكذا كان للجذور الثقافية، والاجتماعية، والأسرية دور كبير في ترددي لحد الآن رغم أن الفكرة ما تنفك تأتي وتذهب، كالقمر الأحمر، وتدفنك بين جنباتها؛ فتراك ترسم خيالات عدة وأفكارًا كثيرة عن مستقبلك المجهول، وعن دورك في تحسينه وتجويده عبر السعي والطموح الجاد، وخاصة وأن لي شغف قديمًا بدأ مع العمل الجماعي عامة والتطوعي خاصة، حول برامج التبادل الثقافي التي تجعلك تذهب في تجربة؛ لمدة من الزمن في أحد الدول الأوروبية أو العربية لاكتشاف ثقافة أخرى، وتشارك خبراتك ومعارفك مع أناس قد يكونون مختلفين عنك من حيث العرق، والدين، واللسان حيث كنت أحرص على متابعة آخر الفرص إلا أن بسبب شروطها القاسية قليلاً، لازلت متردد في إتخاذ موقف واحد، وخصوصًا أني أعرف أحد الاصدقاء المسؤولين عن هذا العمل؛ فيستقبل أشخاصٌ من شتى الدول، وبدوره يبعث الكثير من الشباب؛ لأجل عيش تجربة فريدة حول التبادل الثقافي.
المهم أن كل هذه الأسباب لعبت بلباب عقلي وكذا قلبي؛ فتراني كالممسوس الذي يتحدث ويتخيل بمفرده.






المزيد
فتاة في حضرة العصر الفيكتوري بقلم شــاهينــاز مــحمــد
على حافة الطمأنينة بقلم الكاتب هانى الميهى
في مثل هذه الايام بقلم هاجر أحمد عبد المقتدر